فصل: 227- باب ما جاءَ في القراءةِ في صلاةِ العِشَاء

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري ***


223- باب ما جاء في وصْفِ الصّلاة

299- حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ، أخبرنا إسْمَاعِيلُ بن جعفَرٍ عن يحيى بنِ عليّ بنِ يحيى بنِ خَلاّدِ بنِ رافعٍ الزّرَقِيّ ‏(‏عن ابيه‏)‏ عن جَدّهِ عن رِفَاعَةَ بنِ رافعٍ ‏"‏أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بَيْنَمَا هو جالسٌ في المسجِدِ يوماً، قال رفاعةُ‏:‏ ونحنُ معه‏.‏ إذْ جاءَهُ رجلٌ كَالْبَدَوِيّ، فصلى، فَأَخَفّ صلاتَه، ثم انصرَف فَسَلم عَلَى النبيّ صلى الله عليه وسلم فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ وعَلَيْكَ، فَارْجِعْ فَصَلّى فإِنّكَ لم تُصَلّ فَرَجَعَ فصلّى، ثم جاء فسلمَ عليه، فقال‏:‏ وعليك، فارجعْ فصلّ فإنك لم تُصَلّ، ‏(‏ففعل ذلك‏)‏ مرتينِ أو ثلاثاً، كُلّ ذلك يأْتِي النبيّ صلى الله عليه وسلم فَيُسَلّمُ على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فيقولُ النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ وعليكَ، فارجعْ فصلّ فإنك لم تُصَلّ، فخافَ الناسُ وكَبُرَ عليهم أن يكونَ مَنْ أخَفّ صَلاَتَهُ لم يُصَلّ، فقال الرجلُ في آخرِ ذلكَ‏:‏ فأرِنِي وعَلّمْنِي، فإنّمَا أنَا بَشَرٌ أُصِيبُ وأُخْطِئ، فقالَ‏:‏ أجَلْ، إذا قُمْتَ إلى الصلاة فَتَوَضّأْ كما أَمَرَكَ الله، ثُمّ تَشَهّد فأَقِمْ، فإنْ كان معكَ قُرْآنٌ فَاقْرأْ، وإلاّ فَاحْمَدْ الله وَكَبّرْهُ وَهَلّلْهُ، ثُمّ ارْكَع فاطْمَئنّ راكعاً، ثم اعْتَدِلْ قَائِماً، ثم اسجدْ فاعْتَدِلْ ساجداً، ثم اجْلِسْ فاطْمَئِنّ جالساً، ثم قُمْ، فإذا فَعَلْتَ ذلك فقد تَمّتْ صَلاَتَكَ، وإنْ انْتَقَصْتَ مِنْهُ شيئاً انْتَقَصْتَ مِنْ صلاَتك، قال‏:‏ وكان هذا أهْوَنَ عليهم من الأوّل أنّهُ مَن انْتَقصَ مِن ذَلكَ شيئاً انْتَقَصَ مِنْ صلاتِهِ وَلَمْ تَذْهَبْ كُلّها‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي الباب عن أبي هريرةَ وعَمّارِ بنِ ياسرٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ رِفَاعَةَ ‏(‏بنِ رافعٍ‏)‏ حديثٌ حسَنٌ‏.‏

وقد روي عن رفاعة هذا الحديث من غير وجهٍ‏.‏

300- حدثنا محمدُ بن بشارٍ حدثنا يحيى بن سعيدٍ القَطانُ حدثنا عُبَيْدُ الله بنُ عُمَرَ‏)‏‏:‏ أخبرني سعيدُ بنُ أبي سيعدٍ عن أبيه عن أبي هريرة‏:‏ ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دَخَلَ المسجدَ، فدخلَ رجلٌ فَصَلّى، ثم جاء فَسَلم على النبيّ صلى الله عليه وسلم، فَرَدّ عليهِ السلامَ، فقال‏:‏ ارْجعْ فَصَلّ فإنّكَ لَمْ تُصَلّ، فرجعَ الرجلُ فصلّى كما صلى، ثم جاء إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فسلّمَ ‏(‏عَلَيْهِ‏)‏، فَردّ عليه، ‏(‏السّلام‏)‏ فقال له‏:‏ ‏(‏رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ ارْجعْ فَصَلّ فإنّكَ لَمْ تُصَلّ، حتى فعل ذلك ثلاثَ قرارٍ، فقال له الرجلُ‏:‏ والذي بعَثَكَ بالحقّ ما أُحْسِنُ غَيْرَ هذا، فَعَلّمْنِي، فقال ‏(‏له‏)‏‏:‏ إذا قُمْتَ إلى الصّلاَةِ فَكَبّرْ، ثم اقْرأْ بما تَيَسّر مَعَكَ مِنَ القرآنِ، ثم ارْكَعْ حتى تَطْمَئِنّ راكِعاً، ثم ارفَعْ حتى تَعْتَدِلَ قائِماً، ثم اسْجُدْ حتى تَطْمَئِنّ ساجداً، ثم ارْفَعْ حَتّى تَطْمَئِنّ جَالساً، وافْعَلْ ذَلِكَ في صَلاَتِكَ كُلّهَا‏"‏‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏)‏‏:‏ هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ‏.‏

‏(‏قال‏)‏ وقد رَوَى ابنُ نُمَيْرٍ هذا الحديثَ عن عُبَيْدِ الله بن عُمَرَ عن سَعِيدٍ المَقْبُرِيّ عن أبي هريرَةَ، ولم يَذْكُرْ فيه ‏"‏عن أبيه‏"‏ عن أبي هريرة‏.‏

‏(‏وروايةُ يحيى بن سعيدٍ عن عُبَيْدِ الله بنِ عُمَرَ أصَحّ‏)‏‏.‏

‏(‏وسعيد المَقْبُرِيّ قد سمَع من أبي هريرةَ، وَرَوَى عن أبيه عن أبي هريرةَ‏)‏‏.‏

وأبو سعيدٍ المقبُرِيّ اسْمُهُ كَيْسَانُ‏.‏ وسعيد المقبُرِيّ يُكْنَى أبا سَعْدٍ‏.‏

وكيسان عبد كان مصابنا لبعضهم‏.‏

301- حدثنا محمدُ بن بَشّارٍ و محمدُ بن المُثَنّى قالا‏:‏ حدثنا يحيى بن سعيد ‏(‏القَطّانُ‏)‏، حدثنا عبد الحميد بن جعفرٍ، حدثنا محمد بن عَمْرو بن عطاء عن أبي حُمَيْدٍ السّاعِدِيّ قال‏:‏ ‏"‏سَمِعْتُهُ وَهُوَ في عَشْرَةٍ من أصْحَابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم أحَدُهم أبو قَتَادَةَ بن رِبْعِي يقولُ‏:‏ أنا أعْلَمُكُمْ بصلاةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا‏:‏ ما كُنْتَ أقْدَمَنَا له صُحْبَةً ولا أكْثَرَنا له إتْيَاناً، قال‏:‏ بَلَى، قالوا‏:‏ فَاعْرِضْ، فقال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قامَ إلى الصلاةِ اعْتَدَلَ قَائِماً وَرَفَعَ يَدَيْهِ حتى يُحَاذِيَ بهما مَنْكِبَيْهِ، فإذا أراد أنْ يركعَ رفعَ يَدَيْهِ حتى يُحَاذِيَ بهما مَنْكِبَيْهِ، ثم قال‏:‏ الله أكْبَر، وركعَ، ثم اعْتَدَلُ، فلم يُصَوّبْ رَأْسَهُ ولم يُقْنِعْ، ووضع يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثم قال‏:‏ سَمِعَ الله لمن حَمِدَهُ، ورفع يديه واعتدلَ، حتى يَرْجِعَ كُلّ عَظْمٍ في مَوضِعِهِ مُعْتَدِلاً، ثم أهَوَى إلى الأرْضِ ساجداً، ثم قال‏:‏ الله أكْبَر، ثم جَافَى عَضُدَيْهِ عن إبْطَيْهِ، وَفَتَحَ أصابِعَ رِجْلَيْهِ، ثم ثَنَى رِجْلَه اليسرى وَقَعَدَ عليها ثم اعْتَدَلَ حتى يَرْجِعَ كُلّ عَظْمٍ في مَوضِعِهِ مُعْتَدِلا ثم أهْوَى ساجداً، ثم قال‏:‏ الله أكْبَرُ، ثم ثَنَى رِجْلَهُ وَقَعَدَ واعْتَدَلَ حتّى يَرْجِعَ كلّ عَظْمٍ في مَوْضِعِهِ، ثم نَهَضَ، ثم صَنَعَ في الركعةِ الثانية مِثْلَ ذلك، حتى إذا قامَ من السجدتينِ كَبّرَ ورفَع يديهِ حتى يُحَاذِيَ بهما مَنْكِبَيْهِ كما صنعَ حينَ افْتَتَحَ الصلاةَ، ثم صَنَعَ كذلكَ حتى كانتِ الركعة التي تَنْقَضِي فيها صلاتُهُ أخّرَ رِجْلَهُ اليُسْرَى وَقَعَدَ عَلَى شِقّهِ مُتَوَرّكاً، ثم سَلّمَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ‏.‏

قال‏:‏ ومعنى قوله‏:‏ ‏"‏ورفع يديه إذا قام من السجدتين‏"‏ يعني قامَ من الركعتين‏.‏

302- حدثنا محمدُ بنُ بَشّارٍ و الحسنُ بنُ عليَ ‏(‏الخلاّل‏)‏ ‏(‏الْحُلْوَانِيّ‏)‏ و سلمة بن شيب غيرُ واحدٍ قالوا‏:‏ حدثنا أبو عاصمٍ ‏(‏النبيل‏)‏ عبدُ الحميد بن جعفرٍ حدثنا محمدُ بن عَمْرو بن عطاءِ قال‏:‏ سمعتُ أبا حُمَيْدٍ السّاعِدِي في عشرةٍ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم فيهم أبو قتادةَ بنُ رِبْعي، فَذَكَرَ نحوَ حديثِ يحيى بن سعيد بمعناه وزادَ فيه بو عاصمٍ عن عبدِ الحميد بن جعفرٍ هذا الحرف‏:‏ قالوا‏:‏ ‏"‏صدقتَ هكذا صَلّى النبيّ صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ زار أبو عاصم الضحاك بن مخلد في هذا الحديث عبدالمجيد بن جعفر هذا الحرف‏:‏ قالوا صدفة هكذا صلّى النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا اسماعيل بن جعفر‏)‏ بن أبي كثير الأنصاري الزرقي أبو إسحاق القاري ثقة ثبت توفي سنة 180 ثمانين ومائة ‏(‏عن يحيى بن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي‏)‏ بضم الزاء وفتح الراء وبعدها قاف المدني مقبول من السادسة قاله في التقريب ‏(‏عن جده‏)‏ وفي رواية النسائي عن أبيه عن جده وأبو علي بن يحيى بن خلاد ثقة وجده يحيى بن خلاد بن رافع له رواية وذكره بن حبان في ثقات التابعين ‏(‏عن رفاعة بن رافع‏)‏ بن مالك بن العجلان أبي معاذ الأنصاري صحابي بدري جليل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بينما هو جالس في المسجد أي في ناحيته كما في حديث أبي هريرة عند الشيخين إذا جاءه رجل كالبدوي‏)‏ هذا الرجل هو خلاد بن رافع جد علي بن يحيى راوي الخبر بينه ابن أبي شيبة عن عباد بن العوام عن محمد بن عمرو عن علي بن يحيى عن رفاعة أن خلاداً دخل المسجد، قاله الحافظ‏.‏ وقال وأما ما وقع عند الترمذي‏:‏ إذ جاء رجل كالبدوي فصلى فأخف صلاته فهذا لا يمنع تفسيره بخلاد لأن رفاعة شبهه بالبدوي لكونه أخف الصلاة أو لغير ذلك انتهى ‏(‏فصلى‏)‏ زاد النسائي من رواية داود بن قيس ركعتين‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وفيه إشعار بأنه صلى نفلا والأقرب أنها تحية المسجد ‏(‏فأخف صلاته‏)‏ وفي رواية ابن أبي شيبة فصلى صلاة خفيفة لم يتم ركوعها ولا سجودها ‏(‏ثم انصرف‏)‏ أي من صلاته ‏(‏فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال القاري في المرقاة‏:‏ قدم حق الله على حق رسوله كما هو أدب الزيارة لأمره عليه السلام بذلك لمن سلم عليه قبل صلاة التحية فقال له أرجع فصل ثم ائت فسلم علي فقال النبي صلى الله عليه وسلم وعليك وفي رواية مسلم من حديث أبي هريرة‏:‏ فقال وعليك السلام ‏"‏فارجع فصل فإنك لم تصل‏"‏ قال عياض‏:‏ فيه أن أفعال الجاهل في العبادة على غير علم لا تجزئ، وهو مبني على أن المراد بالنفي نفي الإجزاء وهو الظاهر، ومن حمله على نفي الكمال تمسك بأنه بأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمره بعد التعليم بالإعادة، فدل على إجزائها وإلالزم تأخير البيان، كذا قاله بعض المالكية وفيه نظر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمره في المرة الأخيرة بالإعادة فسأله التعليم فعلمه، فكأنه قال له‏:‏ أعد صلاتك على هذه الكيفية، أشار إلى ذلك بن المنير كذا في الفتح ‏(‏مرتين أو ثلاثاً‏)‏ وفي رواية للبخاري ثلاثاً بغير الشك ‏(‏كل ذلك يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسلم‏)‏ فيه استحباب تكرار السلام ورده وإن لم يخرج من الموضع إذا وقعت صورة انفصال ‏(‏فعاف الناس‏)‏ أي كرهوا ‏(‏وكبر عليهم‏)‏ بضم الباء وفاعله قوله‏:‏ ‏(‏أن يكون من أخف صلاته لم يصل‏)‏ أي عظم ذلك عليهم وخافوا منه ‏(‏فقال الرجل في آخر ذلك فأرني‏)‏ صيغة أمر من الإراءة ‏(‏وعلمني‏)‏ قال ابن الملك في شرح المشارك‏:‏ فإن قيل‏:‏ لم سكت النبي صلى الله عليه وسلم عن تعليمه أولاً حتى افتقر إلى المراجعة كرة بعد أخرى‏؟‏ قلنا، لأن الرجل لما لم يستكشف الحال مغتراً بما عنده سكت عن تعليمه زجراً له وإرشاداً إلى أنه ينبغي أن يستكشف ما استبهم عليه، فلما طلب كشف الحال بينه بحسن المقال انتهى‏.‏ واستشكل تقريره عليه السلام على صلاته وهي فاسدة ثلاث مرات على القول بأن النفي للصحة، وأجيب بأنه أراد استدراجه بفعل ما جهله مرات لاحتمال أن يكون فعله ناسياً أو غافلاً فيتذكر فيفعله من غير تعليم، فليس من باب التقرير على الخطأ بل من باب تحقق الخطأ أو بأنه لم يعلمه أولاً ليكون أبلغ في تعريفه وتعريف غيره ولتفخيم الأمر وتعظيمه عليه‏.‏

وقال ابن دقيق العيد‏.‏ ليس التقرير بدليل على الجواز مطلقاً بل لا بد من انتفاء الموانع، ولا شك أن في زيادة قبول المتعلم لما يلقى عليه بعد تكرار فعله واستجماع نفسه وتوجه سؤاله مصلحة معانعة من وجوب المبادرة إلى التعليم، لا سيما مع عدم خوف الفوات إما بناء على ظاهر الحكم أو بوحي خاص انتهى ‏"‏فقال أجل‏"‏ أي نعم‏.‏ قال في القاموس‏:‏ أجل جواب كنعم إلا أنه أحسن منه في التصديق، ونعم أحسن منه في الاستفهام ‏"‏ثم تشهد‏"‏ أي أذن ‏"‏فأقم أيضاً‏"‏ وفي رواية أبي داود ثم‏:‏ تشهد فأقم وليس فيها لفظه أيضاً، قال في المرقاة‏:‏ ثم تشهد أي قل أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله بعد الوضوء فأقم أي الصلاة‏.‏ وقيل معنى تشهد أذن لأنه مشتمل على كلمتي الشهادة فأقم على هذا يراد به الإقامة للصلاة، كذا نقله ميرك عن الأزهار انتهى ما في المرقاة‏.‏ والظاهر أن المراد بقوله ثم تشهد فأقم‏:‏ الأذان والإقامة، يدل عليه لفظ أيضاً بعد قوله فأقم فإن كان معك قرآن فافرأ وفي رواية لأبي داود ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ‏.‏ قال الحافظ بعد ذكر هذه الرواية‏:‏ ولأحمد وابن حبان من هذا الوجه‏:‏ ثم اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت‏.‏ ترجم له ابن حبان بباب فرض المصلى قراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة ‏"‏ثم اعتدل قائماً‏"‏ وفي لفظ لأحمد فأقم‏:‏ صلبك حتى يرجع العظام إلى مفاصلها ‏"‏ثم اسجد فاعتدل ساجداً ثم اجلس فاطمئن جالساً‏"‏ وفي رواية لأبي داود ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله ثم يقول الله أكبر ويرفع رأسه حتى يستوي قاعداً ثم يقول‏:‏ الله أكبر، ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر ‏"‏فإذا فعلت ذلك‏"‏ أي ما ذكر ‏"‏فقد تمت صلاتك‏"‏ أي صارت تماماً غيرنا قصة ‏"‏وإن انتقصت‏"‏ أي نقصت قال في القاموس‏:‏ انقصة ونقصه وانتقصه نقصه ‏"‏وكان هذا أهون‏"‏ أي أسهل ‏"‏عليهم‏"‏ أي على الصحابة رضي الله عنه ‏"‏من الأولى‏"‏ أي من المقالة الأولى وهي فارجع فصل فإنك لم تصل ‏"‏أنه من انتقص من ذلك شيئاً إلخ‏"‏ بدل من قوله هذا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي هريرة وعمار بن ياسر‏)‏ أما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان وأخرجه الترمذي أيضاً في هذا الباب وأما حديث عمار فلينظر من أخرجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث رفاعة بن رافع حديث حسن‏)‏ وأخرجه أبو داود والنسائي‏.‏ وقال ابن عبد البر‏:‏ هذا حديث ثابت نقله ميرك عن المنذري كذا في المرقاة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد روى عن رفاعة هذا الحديث من غير وجه‏)‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ أخرجه أبو داود والنسائي من رواية إسحاق بن أبي طلحة ومحمد بن إسحاق ومحمد بن عمرو ومحمد بن عجلان وداود بن قيس كلهم عن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرفي عن أبيه عن عمه رفاعة بن رافع، فمنهم من لم يسم رفاعة قال عن عم له بدرى، ومنهم من لم يقل عن أبيه، ورواه النسائي والترمذي من طريق يحيى بن علي بن يحيى عن أبيه عن جده عن رفاعة، لكن لم يقل الترمذي عن أبيه وفيه اختلاف آخر ذكره الحافظ في الفتح‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا عبيد الله بن عمر‏)‏ هو العمري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فدخل رجل‏)‏ هو خلاد بن رافع كما تقدم ‏"‏ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً ثم ارفع حتى تطمئن جالساً وافعل ذلك‏"‏ إلخ لم يذكر في هذه الرواية السجدة الثانية، وفي رواية البخاري ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً‏.‏ ثم افعل ذلك في صلاتك كلها‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وقع في رواية ابن نمير في الاستيذان يعني في باب الاستيذان من صحيح البخاري بعد ذكر السجود الثاني ثم ارفع حتى تطمئن جالساً‏.‏ وقد قال بعضهم هذا يدل على إيجاب جلسة الاستراحة ولم يقل به أحد، وأشار البخاري إلى أن هذه اللفظة وهو فإنه عقبه بأن قال قال أبو أسامة في الأخير‏:‏ حتى تستوي قائماً، ويمكن أن يحمل إن كان محفوظاً على الجلوس للتشهد وكلام البخاري ظاهر في أن أبا أسامة خالف ابن نمير، لكن رواه إسحاق بن راهويه في مسنده عن أبي أسامة كما قال ابن نمير بلفظ‏:‏ ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اقعد حتى تطمئن قاعداً ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اقعد حتى تطمئن قاعداً، ثم افعل ذلك في كل ركعة‏.‏ وأخرجه البيهقي من طريقه وقال كذا إسحاق بن راهويه عن أبي أسامة والصحيح رواية عبيد الله بن سعيد بن أبي قدامة ويوسف بن موسى عن أبي أسامة بلفظ ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تستوي قائماً ثم ساقه من طريق يوسف بن موسى كذلك انتهى كلام الحافظ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ورواية يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر أصح‏)‏ أي من رواية ابن نمير عن عبيد الله بن عمر قال الدارقطني خالف يحيى القطان أصحاب عبيد الله كلهم في هذا الإسناد، فإنهم لم يقولوا عن أبيه ويحيى حافظ قال فيشبه أن يكون عبيد الله حدث به على الوجهين‏.‏ وقال البزار لم يتابع يحيى عليه، ورجح الترمذي رواية يحيى‏.‏

قال الحافظ‏:‏ لكل من الروايتين وجه مرجح، أما رواية يحيى فللزيادة من الحافظ وأما الرواية الأخرى فللكثرة ولأن سعيداً لم يوصف بالتدليس وقد ثبت سماعه من أبي هريرة ومن ثم أخرج الشيخان الطريقين انتهى كلام الحافظ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال سمعته‏)‏ أي قال محمد بن عمرو وسمعت أبا حميد ‏(‏وهو في عشرة‏)‏ أي والحال أنه كان جالساً في عشرة ‏(‏أحدهم أبو قتادة بن ربعي‏)‏ بكسر الراء بعد مهملة اسمه الحارث ويقال عمرو أو النعمان شهد أحداً وما بعدها ولم يصح شهوده بدراً مات لسنة 54 أربع وخمسين وقيل سنة 38 ثمان وثلاثين، والأول أصح وأشهر كذا في التقريب ‏(‏فأعرض‏)‏ بهمزة وصل أي إذا كنت أعلم فاعرض وبين‏.‏ قال في النهاية يقال عرضت عليه أمر كذا أو عرضت له الشيء أظهرته وأبرزته إليه إعرض بالكسر لا غير أي بين علمك بصلاته صلى الله عليه وسلم من كنت صادقاً لنوافقك إن حفظناه وإلا استفدناه ‏(‏وركع ثم أعتدل‏)‏ أي في الركوع بأن سوى رأسه وظهره حتى صار كالصفحة ‏(‏فلم يصوب رأسه‏)‏ من التصويب أي لم يحطه بلغاً بل يعتدل، وهذا تفسير لقوله اعتدل ‏(‏ولم يقنع‏)‏ من أقنع رأسه إذا رفع أي لا يرفع رأسه حتى يكون أعلى من ظهره ‏(‏ثم هوى‏)‏ أي نزل وانحط، والهوى السقوط من علو إلى أسفل ‏(‏جافى‏)‏ أي باعد ونحى ‏(‏وفتح أصابع رجليه‏)‏ بالخاء المعجمة أي ثناها ولينها فوجهها إلى القبلة ‏(‏ثم ثنى رجله‏)‏ أي عطفها ‏(‏وقعد واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه ثم نهض‏)‏ فيه سنية جلسة الاستراحة في كل ركعة لا تشهد فيها وقد تقد بيانها في موضعها ‏(‏حتى إذا قام من السجدتين‏)‏ أي الركعتين الأوليين ‏(‏حتى كان الركعة التي تنقضي فيها صلاته أخر رجله اليسرى وقعد على شقه متوركاً‏)‏ فيه سنيه التورك في القعدة الأخيرة‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ في هذا الحديث حجة قوية للشافعي ومن قال بقوله في أن هيئة الجلوس في التشهد الأول مغايرة لهيئة الجلوس في الأخير انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أبو داود والدارمي وابن ماجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والحسن بن علي الحلواني‏)‏ بضم المهملة أبو علي الخلاد نزيل مكة ثقة حافظ له تصانيف من شيوخ الترمذي مات سنة 242 اثنين وأربعين ومائتين‏.‏

224- باب ‏(‏ما جاء‏)‏ في القراءةِ في ‏(‏صلاة‏)‏ الصبح

303- حدثنا هَنادٌ حدثنا، وكيعٌ عن مِسْعَرٍ وسفيانَ عن زيادِ بنِ عَلاَقَةَ عن عَمّهِ قُطْبَةَ بنِ مالكٍ قال‏:‏ ‏"‏سَمِعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقْرأُ في الفجر ‏{‏والنّخْلَ بَاسِقَاتٍ‏}‏ ‏(‏في الرّكْعَةِ الأُولَى‏)‏‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي الباب عن عَمْرو بنِ حُريْثٍ وجابرِ بن سَمُرَةَ وعبدِ الله بن السّائِبِ وأبي بَرْزَةَ وأُمّ سَلَمَةَ‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏)‏‏:‏ حديثُ قُطْبَةَ بنِ مالك حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ‏.‏

وَرُوِيَ عَنِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ‏"‏أنه قرأ في الصبح بِالوَاقِعَةِ‏"‏‏.‏

ورُوِيَ عنه ‏"‏أنه كان يقرأ في الفجرِ مِن سِتّينَ آيَةً إلى مِائَةٍ‏"‏‏.‏

ورُوِيَ عنه ‏"‏أنه قرأَ‏{‏إذَا الشّمْسُ كُوّرَتْ‏}‏‏"‏‏.‏

ورُوِيَ عن عمرَ أنه كتبَ إلى أبي موسى أنِ اقرْأْ في الصبحِ بِطِوَالِ المُفَصّلِ‏.‏

‏"‏قال أبو عيسى‏"‏‏:‏ وعلى هذا العملُ عندَ أهْلِ العلمِ‏.‏

وبه قال سفيانُ الثّوْرِيّ وابنُ المباركِ والشافعيّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن مسعر‏)‏ بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح المهملة هو ابن كدام بكسر أوله وتخفيف ثانيه ابن ظهير الهلالي الكوفي ثقة ثبت فاضل قال القطان‏:‏ ما رأيت مثله كان من أثبت الناس وقال شعبة‏:‏ كان يسمى المصحف لإتقانه، وقال وكيع‏:‏ شكه كيقين غيره مات سنة 153 ثلاث وخمسين ومائة ‏(‏وسفيان‏)‏ هو الثوري ‏(‏عن زياد بن علاقة‏)‏ بكسر المهملة وبالقاف الثعلبي بالمثلثة الكوفي ثقة مات سنة 125 خمس وعشرين ومائة ‏(‏عن عمه قطبة بن مالك‏)‏ بضم القاف وسكون الطاء صحابي سكن الكوفة رضي الله عنه ‏(‏يقرأ في الفجر والنخل باسقات‏)‏ أي يقرأ في صلاة الفجر السورة التي فيها والنخل باسقات وهي ق، وفي رواية لمسلم‏:‏ فقرأ ق والقرآن المجيد، وفي رواية أخرى له‏:‏ فقرأ في أول ركعة‏:‏ والنخل باسقات لها طلع نضيد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عمرو بن حريث وجابر بن سمرة وعبد الله بن السائب وأبي برزة وأم سلمة‏)‏ أما حديث عمرو بن حريث فأخرجه مسلم بلفظ أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر والليل إذا عسعس‏.‏ وأما حديث جابر بن سمرة فأخرجه أحمد ومسلم ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الفجر بق والقرآن المجيد ونحوها وكان صلاته بمد إلى تخفيف، وفي رواية‏:‏ كان يقرأ في الظهر والليل إذا يغشى وفي العصر نحو ذلك وفي الصبح أطول من ذلك، ورواه أبو داود بلفظ‏:‏ كان إذا دحضت الشمس صلى الظهر وقرأ بنحومن‏:‏ والليل إذا يغشى والعصر كذلك والصلوات كلها كذلك إلا الصبح فإنه كان يطيل‏.‏ وأما حديث عبد الله بن السائب فأخرجه مسلم بلفظ‏:‏ صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح بمكة فاستفتح سورة المؤمنين حتى جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى أخذت النبي صلى الله عليه وسلم سعلة فركع‏.‏ فأما حديث أبي برزة فأخرجه الشيخان بلفظ‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الفجر ما بين الستين إلى المائة آية، وفي لفظ ابن حبان‏:‏ كان يقرأ بالستين إلى المائة، كذا في نصب الراية وأما حديث أم سلمة فذكره البخاري في صحيحه في باب القراءة في الفجر تعليقاً بلفظ‏:‏ قرأ النبي صلى الله عليه وسلم بالطور، ووصله في موضع آخر من صحيحه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث قطبة ابن مالك حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم وغيره‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في الصبح بالواقعة‏)‏ أخرجه عبد الرزاق من حديث جابر بن سمرة ‏(‏وروى عنه أنه كان يقرأ في الفجر من ستين آية إلى مائة‏)‏ أخرجه الشيخان من حديث أبي برزة ‏(‏وروى عنه أنه قرأ إذا الشمس كورت‏)‏ أخرجه النسائي من حديث عمرو بن حريث ‏(‏وروى عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى أن اقرأ في الصبح بطوال المفصل‏)‏ قال الزيلعي في نصب الراية ص 229 روى عبد الرزاق في مصنفه أخبرنا سفيان الثوري عن علي بن زيد بن جدعان عن الحسن وغيره قال كتب عمر إلى أبي موسى أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل وفي العشاء بوسط المفصل وفي الصبح بطوال المفصل وفي الصبح بطوال المفصل إنتهى‏.‏ وروى البيهقي في المعرفة من طريق مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري أن اقرأ في ركعتي الفجر بسورتين طويلتين من المفصل انتهى ما في نصب الراية‏.‏ وفي معنى أثر عمر ما رواه النسائي مرفوعاً من حديث سليمان بن يسار رضي الله عنه قال‏:‏ كان فلان يطيل الأوليين من الظهر ويخفف العصر ويقرأ في المغرب بقصار المفصل وفي العشاء بوسطه وفي الصبح بطواله، فقال أبو هريرة ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا‏.‏ ذكره الحافظ في بلوغ المرام وقال‏:‏ أخرجه النسائي بإسناد صحيح‏.‏ والمفصل من الحجرات إلى آخر القرآن، وطواله من الحجرات إلى آخر سورة البروج، ووسطه إلى آخر سورة لم يكن، وقصاره إلى آخر القرآن‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وعلى هذا العمل عند أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي‏)‏ قال في النووي في شرح مسلم‏:‏ وأما اختلاف قدر القراءة في الصلوات فهو عند العلماء على ظاهره، قالوا فالسنة أن يقرأ في الصبح والظهر بطوال المفصل وتكون الصبح أطول، وفي العشاء والعصر بأوساطه وفي المغرب بقصاره‏.‏ قالوا والحكمة في إطالة الصبح والظهر أنهما في وقت غفلة بالنون آخر الليل، وفي القائلة فيطولهما ليدركهما المتأخر بغفلة ونحوها، والعصر ليست كذلك بل تفعل في وقت تعب أهل الأعمال فخففت عن ذلك، والمغرب ضيقة الوقت فاحتيج إلى زيادة التخفيف لذلك ولحاجة الناس إلى عشاء صائمهم وضيفهم، والعشاء في وقت غلبة النوم والنعاس ولكن وقتها واسع فأشبهت العصر انتهى كلام النووي‏.‏

قلت‏:‏ قد عرفت وستعرف اختلاف أحوال صلاته صلى الله عليه وسلم في قدر القراءة في الصلوات بما لا يتم به هذا التفصيل‏.‏

225- باب ‏(‏ما جاءَ‏)‏ في القراءةِ في الظّهرِ والعَصْر

304- حدثنا أحمدُ بنُ مَنِيعٍ، حدثنا يزيدُ بن هارونَ أخبرنا حَمّادُ بنُ سَلَمَةَ عن سِمَاكِ بن حَرْبٍ عن جابر بن سَمُرَةَ‏:‏ ‏"‏أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأُ في الظهرِ والعصرِ بِالسّمَاءِ ذَاتِ البروج، والسّمَاءِ والطّارِقِ وشِبْهِهِمَا‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي البابِ عن خَبّابٍ وأبي سعيدٍ وأبي قتادةَ وزيد بن ثابتٍ والبَرَاءِ بن عازب‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏)‏‏:‏ حَديثُ جابرِ بن سَمُرَةَ حديثٌ حسَنٌ ‏(‏صحيحٌ‏)‏‏.‏

وقد رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أنّهُ قَرَأَ في الظّهْرِ قَدْرَ تَنْزِيلُ السّجْدَةِ‏"‏‏.‏

ورُوِيَ عنه‏:‏ ‏"‏أنّهُ كانَ يقرأُ في الرّكْعَةِ الأُولَى مِن الظّهْرِ قَدْرَ ثلاثينَ آيَةً، وفي الركعةِ الثانيةِ قَدْرَ خَمْسَةَ عَشَرَ آيَةً‏"‏‏.‏

ورُوِيَ عن عمرَ‏:‏ أنه كَتَبَ إلى أبي موسى‏:‏ أنِ اقْرَأْ في الظهرِ بِأَوْسَاطِ المُفَصّلِ‏.‏

ورأَى بعضُ أهلِ العلمِ‏:‏ أنّ القراءةَ في صلاةِ العصرِ كَنَحْوِ القراءَةِ في صلاةِ المغربِ‏:‏ يَقْرَأُ بِقِصَارِ المُفَصّلِ‏.‏

ورُوِيَ عن إبراهيمَ النّخْعِيّ أنّه قال‏:‏ تَعْدِلُ صلاةُ العصرِ بصلاةِ المغربِ في القراءةِ‏.‏

وقال إبراهيمُ‏:‏ تضاعفُ صلاةُ الظهرِ على صلاةِ العصرِ في القراءةِ أرْبَعَ مِرَارٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء ذات البروج والسماء والطارق وشبههما‏)‏ قد وردت أحاديث مختلفة في قدر القراءة في الظهر والعصر كما ستعرف‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ وجمع بينها بوقوع ذلك في أحوال متغايرة إما لبيان الجواز أو لغير ذلك من الأسباب واستدل ابن العربي باختلافها على عدم مشروعية سورة معينة في صلاة معينة، وهو واضح فيما اختلف لا فيما لم يختلف كتنزيل وهل أتى في صبح يوم الجمعة انتهى كلام الحافظ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن خباب أبي سعيد وأبي قتادة وزيد بن ثابت والبراء‏)‏ أما حديث خباب فأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه‏.‏ وأما حديث أبي سعيد فأخرجه مسلم بلفظ قال‏:‏ كنا نحزر قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر قراءة الم تنزيل السجدة، وفي رواية في كل ركعة قدر ثلثين آية، وحزرنا قيامه في الأخريين قدر النصف من ذلك، وحزرنا في الركعتين الأوليين من العصر على قدر قيامه في الأخريين من الظهر، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك‏.‏ وأما حديث أبي قتادة فأخرجه الشيخان قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب، ويسمعنا الاَية أحياناً، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطيل في الركعة الثانية، وهكذا في صلاة العصر، وهكذا في الصبح‏.‏ وأما حديث زيد بن ثابت فلم أقف عليه‏.‏ وأما حديث البراء فأخرجه النسائي قال‏:‏ كنا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم الظهر فنسمع منه الاَية بعد الاَيات من سورة لقمان والذاريات‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث جابر بن سمرة حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أبو داود والنسائي ‏(‏وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في الظهر قدر تنزيل السجدة إلخ‏)‏ تقدم تخريجه آنفاً، وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم قرأ في الركعة الأولى من الظهر يسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية هل أتاك حديث الغاشية، رواه النسائي من حديث أنس ‏(‏وروى عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى أن اقرأ في الظهر بأوساط المفصل‏)‏ تقدم تخريجه في باب ما جاء في القراءة في الصبح ‏(‏وروى عن إبراهيم النخعي أنه قال‏:‏ تعدل صلاة العصر بصلاة المغرب في القراءة‏)‏ أخرج ابن أبي شيبة في مصنفه عن إبراهيم كانوا يعدلون الظهر بالعشاء، والعصر بالمغرب، كذا في الرحمة المهداة ‏(‏وقال إبراهيم‏:‏ تضعف صلاة الظهر على صلاة العصر في القراءة أربع مرار‏)‏ يخدشه حديث أبي سعيد الذي تقدم‏.‏

226- باب ‏(‏ما جاء‏)‏ في القراءة في المغرب

‏(‏باب في القراءة في المغرب‏)‏ قوله عن أمه أم الفضل أسمها لبابة بنت الحارث الهلالية ويقال إنها‏:‏ أول امرأة أسلمت بعد خديجة، قاله الحافظ‏.‏

305- حدثنا هَنّادٌ، حدثنا عَبْدَةُ ‏(‏بن سليمان‏)‏ عن محمدِ بنِ إسحاقَ عن الزّهْرِيّ عن عُبَيْدِ الله بنِ عَبدِ الله ‏(‏بن عتبةَ‏)‏ عن ابن عباسٍ عن أمّهِ أُمّ الفَضْلِ قالت‏:‏ ‏"‏خَرَجَ إلينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو عاصبٌ رَأْسَهُ في مرضِهِ فصلّى المغرِبَ، فَقَرَأَ بالمُرْسَلاَتِ، ‏(‏قالت‏)‏ فما صلاّها بَعْدُ حتى لَقِيَ الله‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وفي الباب عن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ وابن عُمَرَ وأبي أيّوبَ وزيدِ بنِ ثابتٍ‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏أبو عيسى‏)‏‏:‏ حديثُ أُمّ الفضلِ حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ‏.‏

و ‏(‏قد‏)‏ رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ‏"‏أنّهُ قرأ في المغربِ بالأعْرَافِ في الركعتينِ كِلْتَيْهِمَا‏"‏‏.‏

ورُوَيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ‏"‏أنّهُ قَرَأَ في المغرب بالطّورِ‏"‏‏.‏

ورُوِيَ عن عُمَرَ أنه كَتَبَ إلى أبِي موسى أنْ اقْرَأْ في المغربِ بِقصَارِ المُفَصّلِ‏.‏

ورُوِيَ عن أبي بَكْرٍ ‏(‏الصديق‏)‏ أنه قرأ فِي المغرب بِقصَارِ المُفَصّلِ‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وعلى هذا العملُ عندَ أهلِ العلمِ‏.‏

وبه يقولُ ابنُ المُبَاركِ وأحمدُ وإسحاقُ‏.‏

وقال الشافعيّ‏:‏ وذُكِرَ عن مالكٍ أنه كَرِهُ أنْ يُقْرَأَ في ‏(‏صلاةِ‏)‏ المغربِ بالسّوَر الطّوَالِ، نحو الطّورِ والمُرْسَلاَتِ‏.‏

قال الشافعيّ‏:‏ لاَ أكْرَه ذلكَ بل أسْتَحِبّ أنْ يُقْرأَ بهذِه السّوَرِ في صلاة للمغرب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو عاصب رأسه‏)‏ أي شاد رأسه بعصابة ‏(‏فصلى المغرب فقرأ بالمرسلات‏)‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ وفي حديث أم الفضل إشعار بأنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصحة بأطول من المرسلات، لكونه كان في حال شدة مرضه وهو مظنة التخفيف، وهو يرد على أبي داود ادعاءه نسخ التطويل، لأنه روى عقب حديث زيد بن ثابت من طريق عروة أنه كان يقرأ في المغرب بالقصار، قال‏:‏ وهذا يدل على نسخ حديث زيد ولم يبين وجه الدلالة، وكأنه لما رأى عروة راوي الخبر عمل بخلافه، حمله على أنه اطلع على ناسخه، ولا يخفى بعد هذا الحمل، وكيف تصح دعوى النسخ وأم المفصل تقول‏:‏ إن آخر صلاة صلاها بهم قرأ بالمرسلات‏.‏ انتهى كلام الحافعبد الرحمن ‏(‏فما صلاها بعد حتى لقي الله عز وجل‏)‏ وقد ثبت من حديث عائشة أي آخر صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته الظهر، رواه البخاري في باب‏:‏ إنما جعل الإمام ليؤتم به، جمع الحافظ في الفتح بين هذين الحديثين بأن عائشة حكت آخر صلاة صلاها في المسجد لقرينة قولها بأصحابه‏.‏ والتي حكتها أم الفضل كانت في بيته، كما روى ذلك النسائي ولكنه يشكل على ذلك ما أخرجه الترمذي عن أم الفضل بلفظ‏:‏ خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عاصب رأسه في مرضه فصلى المغرب‏.‏ ويمكن حمل قولها‏:‏ خرج إليها، أنه خرج من مكانه الذي كان فيه راقداً إلى من في البيت انتهى ملخصاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن جير بن مطعم وابن عمر وأبي أيوب وزيد بن ثابت‏)‏ أما حديث جبير بن مطعم فأخرجه الشيخان بلفظ‏:‏ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور‏.‏ وأما حديث ابن عمر فأخرجه ابن ماجه بلفظ‏:‏ قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب ‏(‏قل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد،‏)‏ وأما حديث أبي أيوب فأخرجه ابن أبي شيبة بلفظ‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين جميعاً‏.‏ وأما حديث زيد بن ثابت فأخرجه البخاري بلفظ‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بطولي الطوليين، زاد أبو داود‏:‏ قلت‏:‏ وما طولى الطوليين‏؟‏ قال‏:‏ الأعراف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أم الفضل حديث حسن صحيح أخرجه الأئمة الستة ‏(‏وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في المغرب بالأعراف في الركعتين كلتيهما‏)‏ روى النسائي عن عائشة قالت‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب بسورة الأعراف، فرقها في الركعتين‏.‏ قال ميرك‏:‏ إسناده حسن، وروى هذا عن أبي أيوب أيضاً وقد تقدم لفظه ‏(‏وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في المغرب بالطور‏)‏ رواه الشيخان وغيرهما عن جبير بن مطعم وتقدم لفظه ‏(‏وروى عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى أن أقرأ في المغرب بقصار المفصل‏)‏ تقدم تخريجه ‏(‏وروى عن أبي بكر أنه قرأ في المغرب بقصار المفصل‏)‏ لم أقف على من أخرجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وعلى هذا العمل عند أهل العلم‏)‏ يعني على القراءة بقصار المفصل في المغرب، وبه يقول الحنفية، واستدلوا على ذلك بما روى الطحاوي عن أبي هريرة قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بقصار المفصل، وبما روى ابن ماجه عنه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب ‏{‏قل يا أيها الكافرون‏}‏ ‏(‏وقال هو الله أحد‏)‏ وبما روى الطحاوي وغيره عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل، وبما روى أبو داود عن هشام بن عروة أن أباه كان يقرأ في صلاة المغرب بنحو ما تقرأون والعاديات ونحوه من السور‏.‏ وروى عن أبي عثمان النهدي أنه صلى خلف ابن مسعود المغرب فقرأ بقل هو الله أحد، وربما رواه الشيخان عن رافع بن خديج قال‏:‏ كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فينصرف أحدنا وأنه ليبصر مواقع نبله ‏(‏وقال الشافعي‏)‏ مقولة قوله الاَتي‏:‏ لا أكره ذلك إلخ ‏(‏وذكر عن مالك أنه يكره إلخ‏)‏ بالواو للحال والجملة حالية ‏(‏قال الشافعي لا أكره ذلك بل أستحب أن يقرأ بهذه السور في صلاة المغرب‏)‏ أعاد قوله قال الشافعي لطول الفصل بينه وبين مقوله لا أكره ذلك إلخ‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ قال الترمذي‏:‏ ذكر عن مالك أنه كره أن يقرأ في المغرب بالسور الطوال نحو الطور والمرسلات، وقال الشافعي‏:‏ لا أكره ذلك بل أستحب، وكذا نقله البغوي نقله البغوي في شرح السنة عن الشافعي‏.‏ والمعروف عند الشافعية أنه لا كراهة في ذلك ولا استحباب‏.‏ وأما مالك فاعتمد العمل بالمدينة بل وبغيرها‏.‏ قال ابن دقيق العيد‏:‏ استمر العمل على تطويل القراءة في الصبح وتقصيرها في المغرب‏.‏ والحق عندنا أن ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وثبت مواظبته عليه فهو مستحب، وما لا يثبت مواظبته عليه فلا كراهة فيه‏.‏

قال الحافظ‏:‏ ولم أر حديثاً مرفوعاً فيه التنصيص على القراءة فيها بشيء من قصار المفصل إلا حديثاً في ابن ماجه عن ابن عمر نص فيه على الكافرون والإخلاص، ومثله لابن حبان عن جابر بن سمرة‏:‏ فأما حديث ابن عمر فظاهر إسناد الصحة إلا أنه معلول‏.‏ قال الدارقطني أخطأ فيه بعض رواته‏.‏ وأما حديث جابر بن سمرة ففيه سعيد بن سماك وهو متروك، والمحفوظ أنه قرأ بهما في الركعتين بعد المغرب‏.‏ واعتمد بعض مشائخنا وغيرهم حديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة أنه قال‏:‏ ما رأيت أحداً أشبه صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم من فلان، قال سليمان‏:‏ فكان يقرأ في الصبح بطوال المفصل وفي المغرب بقصار المفصل الحديث‏.‏ أخرجه النسائي وصححه ابن خزيمة وغيره‏.‏ وهذا يشعر بالمواظبة على ذلك، ولكن في الاستدلال به نظر‏.‏ نغم حديث رافع أنهم كانوا ينتضلون بعد صلاة المغرب يدل على تخفيف القراءة فيها‏.‏ وطريق الجمع بين هذه الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان أحياناً يدل على تخفيف القراءة فيها‏.‏ وطريق الجمع بين هذه الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم كان أحياناً يطيل القراءة في المغرب، إما لبيان الجواز وإما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين‏:‏ وليس في حديث جبير بن مطعم ‏(‏أي الذي أخرجه البخاري بلفظ قال‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في المغرب بالطور‏)‏ دليل على أن ذلك تكرر منه‏.‏ وأما حديث زيد بن ثابت يعني ما روى البخاري وغيره عن مروان بن الحكم قال‏:‏ قال لي زيد بن ثابت‏:‏ ما لك تقرأ في المغرب بقصار المفصل وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بطولى الطوليين، ففيه إشعار بذلك لكونه أنكر على مروان المواظبة على القراءة بقصار المفصل، ولو كان مروان يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم واظب على ذلك ليحتج به على زيد، لكن لم يرد زيد منه فيما يظهر المواظبة على القراءة بالطوال، وإنما أراد منه أن يتعاهد ذلك كما رآه من النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وفي حديث أم الفضل إشعار بأنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصحة بأطول من المرسلات لكونه كان في حال شدة مرضه وهو مظنة التخفيف انتهى كلامه‏.‏

قال ابن خزيمة في صحيحه‏:‏ هذا من الإختلاف المباح، فجائز للمصلي أن يقرأ في المغرب وفي الصلوات كلها بما أحب إلا أنه إذا كان إماماً استحب له أن يخفف في القراءة كما تقدم انتهى‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وهذا أولى من قول القرطبي‏:‏ ما ورد في مسلم وغيره من تطويل القراءة فيما استقر عليه التقصير أو عكسه فهو متروك‏.‏

وادعى الطحاوي أنه لا دلالة في شيء من الأحاديث الثلاثة على تطويل القراءة لاحتمال أن يكون المراد أنه قرأ بعض السورة ثم استدل لذلك بما رواه من طريق هشيم عن الزهري في حديث جبير بلفظ‏:‏ فسمعته يقول ‏(‏إن عذاب ربك لواقع‏)‏ قال‏:‏ فأخبر أن الذي سمعه من هذه السورة هي هذه الاَية خاصة انتهى‏.‏

وليس في السياق ما يقتضي قوله خاصة مع كون رواية هشيم عن الزهري بخصوصها مضعفة، بل جاء في روايات أخرى ما يدل على أنه قرأ السورة كلها، فعند البخاري في التفسير سمعته يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الاَية ‏{‏أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون‏}‏ الاَيات إلى قوله‏:‏ ‏(‏المصيطرون‏)‏ كاد قلبي يطير‏.‏ ونحوه لقاسم بن اصبع وفي رواية أسامة ومحمد بن عمرو المتقدمين سمعته يقرأ ‏{‏والطور، وكتاب مسطور‏}‏ ومثله لا بن سعد، وزاد في أخرى فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد‏.‏

ثم ادعى الطحاوي أن الاحتمال المذكور يأتي في حديث زيد بن ثابت وكذا أبداه الخطابي احتمالاً، وفيه نظر، لأنه لو كان قرأ بشيء منها يكون قدر سورة من قصار المفصل لما كان لإنكار زيد معنى، وقد روى حديث زيد عن هشام عن أبيه عنه أنه قال لمروان‏:‏ إنك لتخف القراءة في الركعتين من المغرب، فوالله لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها بسورة الأعراف في الركعتين جميعاً، أخرجه ابن خزيمة، واختلف على هشام في صحابية، والمحفوظ عن عروة أنه زيد بن ثابت، وقال أكثر الرواة عن هشام عن زيد بن ثابت أو أبي أيوب، وقيل عن عائشة أخرجه النسائي مقتصراً على المتن دون القصة، انتهى كلام الحافظ‏.‏

227- باب ما جاءَ في القراءةِ في صلاةِ العِشَاء

306- حدثنا عَبْدَةُ بنُ عبدِ الله الخُزَاعِيّ ‏(‏البصريّ‏)‏، حدثنا زيدُ بنُ الحُبَابِ حدثنا ‏(‏حسين‏)‏ ابنُ واقدٍ عن عبدِ الله بن بُرَيْدَةَ عن أبيهِ قال‏:‏ ‏"‏كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَقْرأُ في العِشَاءِ الاَخِرَةِ بالشّمْسِ وضُحَاهَا ونحوِها من السّورِ‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي البابِ عن البراءِ بن عازبٍ و ‏(‏أنسٍ‏)‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ بُرَيْدَةَ حديثٌ حسَنٌ‏.‏

وقد رُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أنه قرأ في العِشاءِ الاَخِرَةِ بالتّينِ والزّيْتُونِ‏"‏‏.‏

ورُوِيَ عن عثمانَ ‏(‏بنِ عَفّانَ‏)‏‏:‏ أنه كان يَقْرَأُ في العِشاء بِسُوَرٍ من أوْسَاطِ المُفَصّلِ نحوِ سُورَةِ المُنَافِقِينَ وأشْبَاهها‏.‏

ورُوِيَ عن أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم والتابعينَ‏:‏ أنّهم قَرَأُوا بأَكْثَرَ مِن هذا وأقلّ‏:‏ فكان الأمر عندهم واسع في هذا‏.‏

وأحسن شيء في ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏أنه قرأ بالشّمْسِ وضُحَاهَا، والتّين والزّيْتُونِ‏"‏‏.‏

307- حدثنا هَنّادٌ حدثنا أبو معاويَة عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريّ عن عَدِيّ بنِ ثابتٍ عن البراء بن عازب‏:‏ ‏"‏أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قرأَ في العِشاءِ الاَخِرَةِ بالتّينِ والزّيْتُونِ‏"‏‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏)‏ هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا ابن واقد‏)‏ هو الحسين بن واقد مولى عبد الله بن عامر المروزي قاضيها، وثقه ابن معين مات سنة 159 تسع وخمسين ومائة ‏(‏عن عبد الله بن بريدة‏)‏ بن الحصيب الأسلمي المروزي قاضيها ثقة ‏(‏عن أبيه‏)‏ بريدة بن الحصيب بمهملتين مصغراً صحابي أسلم قبل بدر مات سنة 63 ثلاث وستين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يقرأ في العشاء الاَخرة بالشمس وضحاها ونحوها من السور‏)‏ هذا فعله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال لمعاذ رضي الله عنه‏:‏ أتريد أن تكون يا معاذ فتانا، إذا أممت الناس فاقرأ بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، والليل إذا يغشى‏.‏ قاله له حين أخبر أنه صلى بأصحابه العشاء فطول عليهم ورواه الشيخان‏.‏ وهذان الحديثان يدلان على أنه يقرأ في العشاء الاَخرة هذه السور ونحوها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن البراء بن عازب‏)‏ قال‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في العشاء ‏(‏والتين والزيتون،‏)‏ الحديث أخرجه الأئمة الستة‏.‏‏.‏ وفي رواية للبخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بالتين والزيتون وفي الباب عن أبي هريرة رواه البخاري وغيره عن أبي رافع قال‏:‏ صليت مع أبي هريرة العتمة فقرأ ‏{‏إذا السماء أنشقت‏}‏ فسجد فقلت‏:‏ ما هذه‏؟‏ قال‏:‏ سجدت فيها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه‏.‏

واعلم أن سورة ‏(‏والتين والزيتون‏)‏ من قصار المفصل، وسورة ‏(‏إذا السماء انشقت‏)‏ من أوساط المفصل‏.‏ قال الجاحظ في الفتح‏:‏ وإنما قرأ في العشاء بقصار المفصل لكونه كان مسافراً والسفر يطلب فيه التخفيف، وحديث أبي هريرة محمول على الحضر فلذلك قرأ فيها بأوساط المفصل انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث بريدة حديث حسن‏)‏ وأخرجه أحمد والنسائي ‏(‏وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ في العشاء الاَخر بسورة والتين والزيتون‏)‏ أخرجه الترمذي في هذا الباب وأخرجه أيضاً غيره من الأئمة الستة كما عرفت ‏(‏وروى عن عثمان بن عفان أنه كان يقرأ في العشاء بسور من أوساط المفصل نحو سورة المنافقين وأشباهها‏)‏ وقد تقدم حديث سليمان بن يسار عن أبي هريرة وفيه‏:‏ ويقرأ في الأوليين من العشاء من وسط المفصل ‏(‏كأن الأمر عندهم واسع‏)‏ كأن بشدة النون من الحروف الشبهة بالفعل يعني كأن أمر القراء في صلاة العشاء فيه وسعة عندهم لا تضييق فيه، ولأجل ذلك قرأوا فيها بأكثر من المذكور وأقل ‏(‏وأحسن شيء في ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم بالشمس وضحاها والتين والزيتون‏)‏ بل أحسن شيء في ذلك ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذا رضي الله عنه بقراءته من السور وأمثالها والله تعالى أعلم‏.‏

228- باب ‏(‏ما جاءَ‏)‏ في القراءة خلفَ الإمام

308- حدثنا هَنّادٌ، حدثنا عَبْدَةُ بن سليمانَ عن محمد بن إسحاقَ عن مَكْحُولٍ عن محمود بن الرّبيعِ عن عُبَادَةَ بن الصّامِتِ قال‏:‏ ‏"‏صلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح، فَثَقُلَتْ عليه القراءةُ، فلمّا انصرف قال‏:‏ إنّي أراكم تَقْرأُونَ وراء إمَامِكُمْ‏؟‏ قال‏:‏ قلنا‏:‏ يَا رسولَ الله إي وَالله، قال‏:‏ فلا تفَعَلُوا إلاّ بِأُمّ القُرآنِ، فإِنّهُ لا صلاةَ لِمَنْ لَمْ يقرأْ بها‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي البابِ عن أبي هريرةَ وعائشةَ وأنَسٍ وأبي قتادةَ وعبدِ الله بنِ عَمْرٍو‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ عُبَادَةَ حديثٌ حسَنٌ‏.‏

وَرَوَى هذا الحديثَ الزّهرِيّ عن محمود بن الرّبيع عن عُبَادَةَ بنِ الصّامِتِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لا صلاَةَ لِمَنْ لم يقرأْ بفاتحةِ الكتابِ‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وهذا أصَحّ‏.‏

والعملُ على هذا الحديثِ في القراءةِ خلفَ الإمامِ عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ مِن أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم والتابعينَ‏.‏

وهو قولُ مالِك بن أنسٍ وابنِ المبارَكِ والشافعيّ وأحمدَ وإسحاقَ‏:‏ يرَوْنَ القراءةَ خَلْفَ الإمامِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن محمد بن إسحاق‏)‏ هو محمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق إمام المغازي وهو ثقة قابل للاحتجاج على ما هو الحق‏.‏ قال بدر الدين العيني في شرح البخاري‏:‏ ابن إسحاق من الثقات الكبار عند الجمهور انتهى‏.‏ وقال ابن الهمام في فتح القدير‏:‏ وأما ابن إسحاق فثقة ثقة لا شبهة عندنا في ذلك ولا عند محققي المحدثين انتهى‏.‏ وقال أيضاً وهو يعني توثيق ابن إسحاق الحق الأبلج وما نقل عن مالك فيه لا يثبت ولو صح لم يقبله أهل العلم‏.‏ كيف وقد قال شعبة هو أمير المؤمنين في الحديث، وروى عنه مثل الثوري وابن أدريس وحماد بن زيد ويزيد بن زريع وابن علية وعبد الوارث وابن المبارك واحتمله أحمد وابن معين وعامة أهل الحديث غفر الله لهم‏.‏ وقد أطال البخاري في توثيثقه في كتاب القراءة خلف الإمام، وذكره ابن حبان في الثقات، وإن مالكا رجع عن الكلام في ابن إسحاق واصطلح معه وبعث إليه هدية انتهى كلام ابن الهمام‏.‏

وقال الحافظ بن حجر في القول المسدد‏:‏ وأما حمله يعني ابن الجوزي على محمد بن إسحاق فلا طائل فيه فإن الأئمة قبلوا حديثه وأكثر ما عيب فيه التدليس والرواية عن المجهولين، وأما هو في نفسه فصدوق وهو حجة في المغازي عند الجمهور انتهى كلام الحافظ ‏(‏عن مكحول‏)‏ وفي رواية الدارقطني وأحمد والبيهقي حدثني مكحول‏.‏ وقال الزيلعي في نصب الراية‏:‏ ورواهن إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق فذكر فيه سماع ابن إسحاق عن مكحول فصار الحديث موصولاً صحيحاً انتهى‏.‏ ومكحول هذا هو مكحول الشامي وأبو عبد الله ثقة فقيه كثير الإرسال مشهور من الخامسة مات سنة بضع عشرة ومائة كذا في التقريب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فثقلت عليه القراءة‏)‏ أي شق عليه التلفظ والجهر بالقراءة، وفي رواية أبي داود‏:‏ كنا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الفجر فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فثقلت عليه القراءة ‏(‏فلما أنصرف‏)‏ أي فرغ من الصلاة ‏(‏إي والله‏)‏ بكسر الهمزة وسكون التحتية أي نعم والله نحن نقرأ ‏"‏قال لا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها‏"‏ قال الخطابي هذا الحديث صريح بأن قراءة الفاتحة واجبة على من خلف الإمام سواء جهر الإمام بالقراءة أو خافت بها، وإسناده جيد لا طعن فيه انتهى‏.‏ قلت الأمر كما قال الخطابي لا شك في أن هذا الحديث نص صريح في أن قراءة فاتحة الكتاب واجبة على من خلف الإمام في جميع الصلوات سرية كانت أو جهرية وهو القول الراجح المنصور عندي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة وأنس وأبي قتادة وعبد الله بن عمرو‏)‏ أما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج‏.‏ ثلاثاً غير تمام، فقيل لأبي هريرة إنا نكون وراء الإمام قال اقرأ بها في نفسك الحديث‏.‏ وأما حديث عائشة فأخرجه أحمد وابن ماجه والطحاوي من طريق محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عنها قالت‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، وإسناده حسن‏.‏ وجاء في رواية الطحاوي تصريح سماع ابن إسحاق من يحيى بن عباد فزالت شبهة التدليس‏.‏ وهذان الحديثان بعمومها شاملان للمأمومين أيضاً‏:‏ وأما حديث أنس فأخرجه البخاري في جزء القراءة، والبيهقي في كتاب القراءة، وابن حبان والطبراني في الأوسط، ولفظ البخاري‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه فقال أتقرأون في صلاتكم والإمام يقرأ‏؟‏ فسكتوا، فقالها ثلاث مرات، فقال قائل أو قائلون‏:‏ إنا لنفعل‏:‏ قال‏:‏ فلا تفعلوا وليقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه قاله صاحب الجوهر النقي من العلماء الحنفية‏:‏ أخرجه بن حبان في صحيحه من حديث أبي قلابة عن أنس ثم قال سمعه من أنس وسمعه من ابن أبي عائشة، فالطريقان محفوظان انتهى‏.‏ وقال البيقهي في كتاب القراءة بعد روايته من طريق ابن علية عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس‏.‏ احتج به البخاري في كتاب القراءة خلف الإمام وأما حديث أبي قتادة فأخرجه البيهقي في كتاب القراءة عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أتقرأون خلفي‏؟‏ قلنا نعم، قال فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب‏.‏ وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه البيهقي في كتاب القراءة عنه من طريق عبد العظيم عن النضر بن محمد عن عكرمة بن عمار عن عمرو بن سعد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتقرأون خلفي‏؟‏ قالوا نعم يا رسول الله إنا لنهزه هزاً، قال فلا تفعلوا إلا بأم القرآن‏.‏ قال البيهقي‏:‏ رواه في كتاب القراءة خلف الإمام عن شجاع ابن الوليد عن النضر‏.‏

وفي باب أحاديث أخرى ذكرناها في كتابنا تحقيق الكلام في وجوب القراءة خلف الإمام، وفي كتابنا أبكار المنن في نقد آثار السنن، وذكرها البيهقي في كتاب القراءة، فمنها حديث محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وسيأتي لفظه، قال الحافظ في التلخيص إسناده حسن، وقال البيهقي في معرفة السنن بعد روايته هذا إسناد صحيح، وقال في كتاب القراءة‏:‏ هذا حديث صحيح احتج به محمد بن إسحاق بن خزيمة في جملة ما احتج به في هذا الباب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث عبادة حديث حسن‏)‏ قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر هذا الحديث‏:‏ أخرجه أحمد والبخاري في جزء القراءة وصححه أبو داود والترمذي والدارقطني وابن حبان والحاكم والبيهقي من طريق ابن إسحاق حدثني مكحول عن محمود بن ربيعة عن بادة وتابعه زيد بن واقد وغايره عن مكحول، ومن شواهده ما رواه أحمد من طريق خالد الحذاء عن أبي قلابة عن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لعلكم تقرأون والإمام يقرأ‏؟‏ قالوا إنا لنفعل، قال لا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب‏.‏ إسناده حسن انتهى كلام الحافظ‏.‏ وقال في الدراية‏:‏ أخرجه أبو داود بإسناد رجاله ثقات انتهى‏.‏ وقال في نتائج الأفكار لتخريج أحاديث الأذكار‏:‏ هذا حديث حسن انتهى‏.‏ وسكت عنه أبو داود‏.‏ وذكر الحافظ المنذري تحسين الترمذي وأقره‏.‏ وقال القاري في المرقاة شرح المشكاة قال ميرك نقلاً عن الملقن‏:‏ حديث عبادة بن الصامت رواه أبو داود والترمذي والدارقطني وابن حبان والبيهقي والحاكم وقال الترمذي حسن، وقال الدارقطني إسناده حسن ورجاله ثقات، وقال الخطابي إسناده جيد لا مطعن فيه، وقال الحاكم إسناده مستقيم، وقال البيهقي صحيح انتهى ما في المرقاة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهذا أصح‏)‏ أي من حديث عبادة المذكور في الباب من طريق ابن إسحاق عن مكحول عن محمود بن الربيع عنه وحديث عبادة من طريق الزهري عن محمود أخرجه الأئمة السته‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل على هذا الحديث في القراءة خلف الإمام عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين، وهو قول مالك بن أنس وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق يرون القراءة خلف الإمام‏)‏ وهو قول بعض العلماء الحنفية أيضاً‏.‏ قال العيني في عمدة القاري‏:‏ بعض أصحابنا يستحسنون ذلك على سبيل الاحتياط في جميع الصلوات، وبعضهم في السرية فقط وعليه فقهاء الحجاز والشام انتهى‏.‏ وقال الملاجيون من العلماء الحنفية في التفسير الأحمدي‏:‏ فإن رأيت الطائفة الصوفية والمشائخين الحنفية، تراهم يستحسنون قراءة الفاتحة للمؤتم كما استحسنه محمد رحمه الله أيضاً احتياطا فما روى عنه انتهى‏.‏ وقال صاحب عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية من العلماء الحنفية وروى عن محمد أنه استحسن قراءة الفاتحة للمؤتم في السرية، وروى مثله عن أبي حنيفة صرح به في الهداية المجتبى شرح مختصر القدوري وغيرهما، وهذا هو مختار كثير من مشائخنا انتهى‏.‏

تنبيه‏:‏

إعلم أن قول الترمذي وهو قول مالك بن أنس وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق يرون القراءة خلف الإمام فيه إجمال، ومقصوده أن هؤلاء الأئمة كلهم يروا القراءة خلف الإمام إما في جميع الصلوات أو في السرية فقط، وإما على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب والاستحسان‏.‏ فأما من قال بوجوب القراءة خلف الإمام في جميع الصلوات سرية كما كانت أو جهرية فاستدل بأحاديث الباب، وهو القول الراجح المنصور‏.‏ وسيأتي تفصيل الأقوال في هذه المسألة‏.‏

229- باب ما جاءَ فِي تركِ القراءة خَلفَ الإمامِ إذا جَهَرَ ‏(‏الإمامُ‏)‏ بِالقِرَاءة

309- حدثنا الأنصاريّ، حدثنا مَعْنٌ حدثنا مالكٌ ‏(‏بن أنس‏)‏ عن ابنِ شهابٍ عن ابنِ أْكَيْمَةَ اللّيْثِيّ عن أبي هريرةَ‏:‏ ‏"‏أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم انْصَرَفَ مِن صلاةٍ جَهَرَ فيها بالقراءَةِ، فقال‏:‏ هل قَرَأَ معِي أحَدٌ مِنكم آنِفاً‏؟‏ فقال رجلٌ‏:‏ نعم يا رسولَ الله، قال‏:‏ إنّي أقولُ مَا لِي أُنَازَعُ القرآنَ‏؟‏ قال‏:‏ فَانْتَهَى الناسُ عن القراءةِ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فيما جَهَرَ فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم من الصّلَوَاتِ بالقراءَةِ حين سمعوا ذلك من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏ وفي الباب‏:‏ عنِ ابنِ مسعودٍ وعِمْرَانَ بنِ حُصَيْنٍ وجابرِ ‏(‏بن عبدِ الله‏)‏‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏)‏‏:‏ هذا حديثٌ حسَنٌ‏.‏

وابنُ أُكَيْمَةَ اللّيْثِيّ اسمُه عُمَارَةُ ويُقَال عَمْرُو بن أُكَيْمَةَ‏.‏

وَرَوَى بعضُ أصحابِ الزهريّ هذا الحديثَ وذَكَرُوا هذَا الحرفَ‏:‏ ‏"‏قال‏:‏ قال الزّهرِيّ‏:‏ فَانْتَهَى الناسُ عن القراءةِ حينَ سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏‏.‏

وليس في هذا الحديث ما يَدْخُلُ على مَنْ رأى القراءَةَ خلفَ الإمامِ لأنّ أبا هريرةَ هو الذي رَوَى ‏(‏عن النبي صلى الله عليه وسلم‏)‏ هذا الحديثَ‏.‏

وَرَوَى أبو هريرةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏"‏مَنْ صَلّى صلاةً لَمْ يَقْرَأْ فيها بِأُمّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِداجٌ فهي خِداجٌ غَيْرُ تمَامٍ‏"‏ فقال له حاملُ الحديثِ إنّي أكُونُ أحياناً وراء الإمامِ‏؟‏ قال‏:‏ اقْرَأْ بها في نَفْسِكَ‏.‏

وَرَوَى أبو عثمانَ النّهْدِيّ عن أبي هريرةَ قال‏:‏ ‏"‏أمَرَني النبيّ صلى الله عليه وسلم أنْ أنادِي أن لا صلاةَ إلا بقراءَةِ فاتحةِ الكتابِ‏"‏‏.‏

واخْتَارَ ‏(‏أكثر‏)‏ أصحابُ الحديثِ أن لاَ يقرأ الرجلُ إذا جَهَرَ الإمامُ بالقراءَةِ، وقالُوا‏:‏ يَتَتَبّعُ سَكتَاتِ الإمامِ‏.‏

وقد اختلفَ أهلُ العلمِ في القراءَةِ خلفَ الإمام فرأى أكثرُ أهلِ العلمِ مِن أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم والتابعينَ ومَنْ بَعدهم القراءةَ خلفَ الإمامِ‏.‏

وبه يقولُ مالكٌ ‏(‏بن أنس‏)‏ و ‏(‏عبد الله‏)‏ بن المبارك والشافعيّ وأحمدُ وإسحاقُ‏.‏

وَرُوِيَ عن عَبْدِ الله بن المباركِ أنه قال‏:‏ أنا أَقْرَأُ خلفَ الإمامِ والناس يَقْرأُونَ، إلاّ قَوْماً من الكُوفِيّينَ‏.‏ وَأرَى أنّ مَن لم يقرأْ صَلاَتَهُ جائزةٌ‏.‏

وشدّدَ قومٌ مِن أهلِ العلم في تركِ قراءةِ فاتحةِ الكتاب، وإنْ كان خلفَ الإمام، فقالوا‏:‏ لا تجزئ صلاةٌ إلا بقراءَةِ فاتحةِ الكتابِ، وَحْدَهُ كانَ أوْ خلفَ الإمامِ وَذَهَبُوا إلى ما رَوَى عبادةُ بن الصامتِ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقرأ عبادةُ بن الصامت بعدَ النبي صلى الله عليه وسلم خلفَ الإمامِ، وتَأَوّلَ قولَ النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا صلاةَ إلاّ بقراءةِ فاتحةِ الكتاب‏"‏‏.‏

وبه يقولُ الشافعيّ وإسحاقُ وغيرُهما‏.‏

وأما أحمدُ بن حنبلٍ فقال‏:‏ معنى قولِ النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا صلاةَ لِمَن لم يَقْرأْ بفاتحةِ الكتابِ‏"‏‏:‏ إذا كان وَحْدَهُ‏.‏ واحتَجّ بحديث جابر بن عبد الله حيثُ قالَ‏:‏ مَن صلّى رَكْعَةً لم يقرأْ فيها بِأُمّ القرآنِ فلم يُصَلّ، إلاّ أن يكونَ وراء الإمامِ‏.‏ قال أحمدُ ‏(‏بن حنبل‏)‏‏:‏ فهذا رجلٌ مِن أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم تَأَوّلَ قولَ النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بفاتحةِ الكتابِ‏"‏‏:‏ أنّ هذا إذا كان وحدَه‏.‏ واختارَ أحمدُ مع هذا القراءَةَ خلفَ الإمامِ وأن لا يَتْرُكَ الرجلُ فاتحة الكتابِ وإنْ كان خلف الإمامِ‏.‏

310- حدثَنَا إسحاقُ بن موسى الأنْصَارِيّ حدثنا مَعْنٌ حدثنا مالِكٌ عن أبي نُعَيْمٍ وهْبِ بن كَيْسَانَ‏:‏ أنّهُ سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبْدِ الله يقولُ‏:‏ مَنْ صَلّى رَكْعَةً لم يَقْرأْ فيها بِأُمّ القُرْآنِ فَلَمْ يُصَلّ إلاّ أنْ يكونَ وراءَ الإمامِ‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏)‏‏:‏ هذا حديثٌ حسَنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا الأنصاري‏)‏ وهو إسحاق بن موسى الأنصاري ‏(‏عن ابن أكيمة‏)‏ بالتصغير اسمه عمارة بضم أوله والتخفيف الليثي المدني يكنى أبا الوليد وقيل اسمه عمله أو عمر أو عامر يأتي غير مسمى ثقة من أوساط التابعين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة‏)‏ وفي رواية لأبي داود صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة نظن أنها الصبح ‏(‏إني أقول مالي أنازع القرآن‏)‏ بفتح الزاي ونصب القرآن على أنه مفعول ثان أي فيه كذا، قال صاحب الازهار‏:‏ وقال الخطابي معناه أداخل في القراءة وأغالب عليها، وقال الجزري في النهاية أي أجاذب في قراءته كأنهم جهروا بالقراءة وأغالب عليها، وقال الجزري في النهاية أجاذب في قراءته كأنهم جهروا بالقراءة خلفه فشغلوه فالتبست عليه القراءة‏.‏ وأصل النزع الجذب ومنه نزع الميت بروحه انتهى ‏(‏قال فانتهى الناس إلخ‏)‏ أي قال فانتهى الناس كما روى بعض أصحاب الزهري فقوله فانتهى الناس مدرج من قول الزهري وسيجيء تصريح الحفاظ بكونه مدرجاً‏.‏ والحديث قد استدل به على ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة، وفي الاستدلال به على هذا المطلوب نظر كما ستقف عليه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن مسعود وعمران بن حصين وجابر بن عبد الله‏)‏ أما حديث بن مسعود فأخرجه الطحاوي وغيره عنه قال‏:‏ كانوا يقرأون خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ خلطتم على القرآن‏.‏ وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه مسلم وغيره عنه قال‏:‏ صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر أو العصر فقال‏:‏ أيكم قرأ خلفي بسبح اسم ربك الأعلى‏؟‏ فقال رجل‏:‏ أنا ولم أرد بها إلا الخير، قال‏:‏ قد علمت أن بضعكم خالجنيها‏.‏ وأما حديث جابر فأخرجه ابن ماجه وغيره مرفوعاً‏:‏ من كان له إمام فقراءه الإمام له قراءة‏:‏ وهذا حديث ضعيف كما ستعرف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه مالك في الموطأ وأبو داود والنسائي وابن ماجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وروى بعض أصحاب الزهري هذا الحديث وذكروا هذا الحرف قال‏:‏ قال الزهري‏:‏ فانتهى الناس عن القراءة إلخ‏)‏ يعني أن بعض أصحاب الزهري فصل قوله‏:‏ فانتهى الناس الخ عن الحديث وجعله من قول الزهري‏.‏ قال الإمام البخاري في جزء القراءة‏:‏ قوله‏:‏ فانتهى الناس من كلام الزهري وقد بينه لي الحسن بن الصباح قال‏:‏ حدثنا مبشر عن الأوزاعي قال الزهري‏:‏ فاتعظ المسلمون بذلك فلم يكونوا يقرأون فيما جهر‏.‏ وقال مالك‏:‏ قال ربيعة‏:‏ إذا حدثت فبين كلامك من كلام النبي صلى الله عليه وسلم انتهى وقال البيهقي في معرفة السنن‏:‏ قوله‏:‏ فانتهى الناس في القراءة من قول الزهري، قاله محمد بن يحيى الذهلي صاحب الزهريات ومحمد بن إسماعيل البخاري وأبو داود، واستدلوا على ذلك برواية الأوزاعي حين ميزه من الحديث وجعله من قول الزهري، وكيف يصح ذلك عن أبي هريرة وأبو هريرة يأمر بالقراءة خلف الإمام فيما جهر به وفيما خافت انتهى‏.‏ وقال في كتاب القراءة‏:‏ رواية ابن عيينة عن معمر دالة على كونه من قول الزهري، وكذلك انتهاء الليث بن سعد وهو من الحفاظ الأثبات الفقهاء مع ابن جريج برواية الحديث من الزهري إلى قوله‏:‏ ما لي أنازع القرآن، الدال على أن ما بعده ليس في الحديث وأنه من قول الزهري، ففصل كلام الزهري من الحديث بفصل ظاهر انتهى‏.‏ وقال الحافظ في التلخيص الحبير‏:‏ وقوله‏:‏ فانتهى الناس إلى آخره مدرج في الخبر من كلام الزهري بينه الخطيب واتفق عليه البخاري في التاريخ وأبو داود ويعقوب بن سفيان والذهلي والخطابي وغيرهم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وليس في هذا الحديث ما يدخل على من رأى القراءة خلف الإمام إلخ‏)‏ حاصل كلامه إن حديث أبي هريرة المروي في هذا الباب لا يدل على منع القراءة خلف الإمام حتى يكون حجة على القائلين بها، فإن أبا هريرة الذي روى هذا الحديث قد روى هو حديث الخداج الذي يدل على وجوب قراءة الفاتحة على كل مصلى إماماً كان أو مأموماً أو منفرداً‏.‏ وقد أفتى أبو هريرة بعد رواية هذا الحديث بقراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام حيث قال‏:‏ اقرأ بها في نفسك، فعلم أن حديث أبي هريرة المروي في هذا الباب ليس فيه ما يدخل على من رأى القراءة خلف الإمام، أي ليس فيه ما يضر القائلين بالقراءة خلف الإمام‏.‏ قال في القاموس‏:‏ الدخل محركة ما داخلك من فساد في عقل أو جسم وقد دخل كفرح وعنى دخلاً ودخلاً والمكر والخديعة والعيب في الحسب انتهى ‏(‏وروى أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة قال‏:‏ أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أنادي أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب‏)‏ رواه البيهقي في كتاب القراءة بأسانيد وألفظ من شاء الوقوف عليها فليرجع إليه‏.‏

تنبيه‏:‏

إعلم أن الإمام مالك والزهري وغيرهما ممن قالوا بالقراءة خلف الإمام في الصلوات السرية دون الجهرية قد استدلوا بأحاديث الباب، لكن في الاستدلال بهذه الأحاديث على مطلوبهم نظر‏.‏ أما حديث المنازعة الذي روى الترمذي في هذا الباب فإنه لا يدل على منع القراءة خلف الإمام المتنازع فيها وهي القراءة بالسر وفي النفس بحيث لا يفضي المنازعة بقراءة الإمام، نعم يدل على منع القراءة بالجهر خلفه وهي ممنوعة بالإتفاق‏.‏

قال الشوكاني في النيل، استدل به القائلون بأنه لا يقرأ المؤتم خلف الإمام في الجهرية، وهو خارج عن محل النزاع‏.‏ لأن محل النزاع هو القراءة خلف الإمام سراً والمنازعة إنما تكون مع جهر المؤتم لا مع إسراره‏.‏ وقال الفاضل اللكنوي‏:‏ غاية ما فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ما لي أنازع القرآن، فهو إن دل على النهي فإنما يدل على نهي القراءة المفضية إلى المنازعة في الجهر به انتهى‏.‏ وأما حديث ابن مسعود فإنه إنما يدل على منع التخليط على الإمام، والتخليط لا يكون إلا إذا قريء خلف الإمام بالجهر، وأما إذا قريء خلفه بالسر وفي النفس فلا يكون التخليط البتة‏.‏ وقد روى البيهقي في كتاب القراءة والبخاري في جزء القراءة حديث ابن مسعود هذا من طريق أبي الأحوص عن عبد الله قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم لقوم كانوا يقرأون على النبي صلى الله عليه وسلم كان لقراءتهم خلفه بالجهر، وعلى ذلك أنكر صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ خلطتم على القرآن، فهذا الحديث أيضاً خارج عن محل النزاع‏.‏ وأما حديث عمران بن حصين فهو أيضاً خارج عن محل النزاع‏.‏ قال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد‏:‏ معنى قوله‏:‏ خالجنيها أي نازعني، والمخالجة هنا عندهم كالمنازعة، فحديث عمران هذا الحديث ابن اكيمة عن أبي هريرة، ولا تكون المنازعة إلا فيما جهر فيه المأموم وراء الإمام، ويدل على ذلك قول أبي هريرة وهو راوي الحديث في ذلك‏:‏ اقرأ بها في نفسك يا فارسي انتهى‏.‏ وقال البيهقي في كتاب القراءة‏:‏ ثم إن كان كره النبي صلى الله عليه وسلم فإنما شيئاً فإنما كره جهره بالقراءة خلف الإمام، ألا تراه قال‏:‏ أيكم قرأ بسبح اسم ربك الأعلى، فلولا أنه رفع صوته بقراءة هذه السورة وإلا لم يسم له ما قرأ، ونحن نكره للمأموم رفع الصوت بالقراءة خلف الإمام، فأما أن يترك أصل القراءة فلا، وقد روينا عن عمران بن حصين رضي الله عنه في هذا الكتاب ما روى عنه في القراءة خلف الإمام، وذلك يؤكد ما قلنا انتهى‏.‏ وأما حديث جابر بن عبد الله فهو بجميع طرقه ضعيف كما ستعرف‏.‏ وقد استدل القائلون بالقراءة خلف الإمام في السرية دون الجهرية بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا‏}‏ وبحديث أبي موسى‏:‏ وإذا قرأ فانصتوا، وسيأتي الجواب عن ذلك فانتظر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏واختار أصحاب الحديث أن لا يقرأ الرجل إذا جهر الإمام بالقراءة وقالوا يتبع سكتات الإمام‏)‏ جاء فيه حديث مرفوع رواه الحاكم عن عطاء عن أبي هريرة مرفوعاً من صلى صلاة مكتوبة مع الإمام فليقرأ بفاتحة الكتاب في سكتاته، ورواه البيهقي في كتاب القراءة من طريق محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعاً وفيه‏:‏ من صلى صلاة ما إمام يجهر فليقرأ بفاتحة الكتاب في بعض سكتاته، فإن لم يفعل فصلاته خداج غير تمام‏.‏ وقال بعد روايته ما لفظه‏:‏ ومحمد ابن عبد الله بن عبيد بن عمير وإن كان غير محتج به، وكذلك بعض من تقدم ممن رواه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فلقراءة المأموم فاتحة الكتاب في سكتة الإمام شواهد صحيحة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده خبراً عن فعلهم، وعن أبي هريرة من فتواهم ونحن نذكرها إن شاء الله تعالى في ذكر أقاويل الصحابة انتهى كلامه‏.‏

قلت‏:‏ قد ذكر البيهقي في هذا الكتاب في أقاويل الصحابة بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنهم كانوا يقرأون خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أنصت، فإذا قرأ لم يقرأوا وإذا أنصت قرأوا‏.‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج‏.‏ ثم ذكر بإسناده عن سعيد بن جبير قال‏:‏ كانوا إذا كبروا لا يفتتحون القراءة حتى يعلم أن من خلفه قد قرأوا فاتحة الكتاب‏.‏ قال البيهقي‏:‏ وقرأت في كتاب القراءة خلف الإمام تصنيف البخاري قال‏:‏ قال ابن خثيم‏:‏ قلت لسعيد بن جبير‏:‏ اقرأ خلف الإمام قال نعم وإن سمعت قراءته فإنهم قد أحدثوا ما لم يكونوا يصنعونه، إن السلف كان إذا أم أحدهم الناس كبر ثم أنصت حتى يظن أن من خلفه قرأ بفاتحة الكتاب ثم قرأ وأنصت انتهى ما في كتاب القراءة‏.‏

قلت‏:‏ قال الحافظ ابن حجر في نتائج الأفكار‏:‏ هذا موقوف صحيح، فقد أدرك سعيد بن جبير جماعة من علماء الصحابة ومن كبار التابعين انتهى‏.‏

ثم ذكر البيهقي بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه قال‏:‏ يا بني اقرأوا في سكتة الإمام فإنه لا تتم صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ثم ذكر بإسناده عن عبد الملك بن المغيرة عن أبي هريرة قال‏:‏ كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج ثم هي خداج، فقال بعض القوم‏:‏ فكيف إذا كان الإمام يقرأ، قال أبو سلمة‏:‏ للإمام سكتتان فاغتنموها‏:‏ سكتة حين يكبروا وسكتة حين يقول غير المغضوب عليهم ولا الضالين‏.‏ قال فهذا الجواب من أبي سلمة بن عبد الرحمن كان بين يدي أبي هريرة ولم ينكر عليه ذلك فهو كما قاله أبو هريرة، ورواية العلاء بن عبد الرحمن تشهد لذلك بالصحة انتهى‏.‏

قلت‏:‏ رواية العلاء ليست مقيدة بقراءة المأموم في سكتات الإمام، ففي صحيح مسلم‏:‏ فقيل لأبي هريرة‏:‏ إنا نكون وراء الإمام، فقال‏:‏ اقرأ بها في نفسك الحديث‏.‏ وعند البيهقي في هذا الكتاب ص 12 قال‏:‏ قلت يا أبا هريرة إني أسمع قراءة الإمام، فقال يا فارسي، أو يا ابن الفارسي اقرأ في نفسك‏.‏ وعنده أيضاً في هذا الكتاب ص 91 قلت يا أبا هريرة فكيف أصنع إذا جهر الإمام قال‏:‏ إقرأ بها في نفسك‏:‏ ثم ذكر البيهقي بإسناده‏:‏ قال مكحول‏:‏ إقرأ بها، يعني بالفاتحة فيما جهر به الإمام إذا قرأ بفاتحة الكتاب وسكت سراو إن لم يسكت اقر اقرأ بها قبله ومعه وبعده لا تتركها على حال انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد اختلف أهل العلم في القراءة خلف الإمام فرأى أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم القراءة خلف الإمام‏)‏ وهو قول عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما‏.‏ أخرج الدارقطني في سننه بإسناده عن يزيد بن شريك أنه سأل عمر عن القراءة خلف الإمام فقال‏:‏ اقرأ بفاتحة الكتاب، قلت‏:‏ وإن كنت‏.‏ قال‏:‏ وإن كنت أنا قلت‏:‏ وإن جهرت‏؟‏ قال‏:‏ وإن جهرت‏.‏ قال الدارقطني‏:‏ رواية كلهم ثقات وأخرجه بإسناد آخر وقال هذا إسناد صحيح‏.‏ وأخرج إسناده عن عبيد الله بن أبي رافع قال‏:‏ كان علي يقول اقرأوا في الركعتين الأوليين من الظهر والعصر خلف الإمام بفاتحة الكتاب وسورة، قال الدارقطني بعد إخراجه هذا إسناد صحيح‏.‏ خرجه بإسناد آخر بلفظ‏:‏ كان يأمر أو يقول‏:‏ إقرأوا خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين أو بفاتحة الكتاب‏.‏ وقال الحاكم في المستدرك‏:‏ قد صحت الرواية عن عمر وعلي أنهما كانا يأمران بالقراءة خلف الإمام انتهى‏.‏ وإن شئت أن تقف على آثار الصحابة في القراءة خلف الإمام فارجع إلى كتابنا تحقيق الكلام، وإلى كتاب القراءة خلف الإمام للبيهقي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وبه يقول مالك وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق‏)‏ قال البخاري في جزء القراءة‏:‏ وكان سعيد بن المسيب وعروة والشعبي وعبيد الله بن عبد الله ونافع بن جبير وأبو المليح والقاسم بن محمد وأبو مجلز ومكحول ومالك بن عون وسعيد بن عروبة يرون القراءة، وقال فيه‏:‏ وقال الحسن وسعيد بن جبير وميمون بن مهران ومالا أحصى من التابعين وأهل العلم أنه يقرأ خلف الإمام وإن جهر انتهى ‏(‏وروي عن عبد الله بن المبارك أنه قال‏:‏ أنا أقرأ خلف الإمام والناس يقرأون إلا قوم من الكوفيين‏)‏ يعني أبا حنيفة وأصحابه فهم لا يرون القراءة خلف الإمام لا في السرية ولا في الجهرية، وظهر من كلام ابن المبارك هذا أن كل من كان في عهد ابن المبارك من التابعين وأتباعهم كانوا يقرأون خلف الإمام غير قوم من أهل الكوفة ‏(‏وأرى أن من لم يقرأ‏)‏ أي خلف الإمام ‏(‏صلاته جائزة‏)‏ فابن المبارك كان يقرأ خلف الإمام ولكن لم يكن من القائلين بوجوب القراءة خلف الإمام ‏(‏وشدد قوم من أهل العلم في ترك قراءة فاتحة الكتاب وإن كان خلف الإمام‏)‏ فقالوا‏:‏ لا تجزيء صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب وحده كان أو خلفه الإمام قولهم هذا هو القول الراجح المنصور وذهبوا إلى ما روى عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال‏:‏ ‏"‏لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب‏"‏‏.‏ فإن لفظ‏:‏ من في هذا الحديث من ألفاظ العموم، فهو شامل للمأموم قطعاً كما هو شامل للإمام والمنفرد، وكذلك لفظ‏:‏ صلاة في قوله‏:‏ لا صلاة عام يشمل كل صلاة فرضاً كانت أو نفلاً، صلاة الإمام كانت أو صلاة المنفرد، سرية كانت أو جهرية‏.‏

قال الحافظ ابن عبد البر‏:‏ وقال آخرون لا يترك أحد من المأمومين قراءة فاتحة الكتاب فيما جهر بالقراءة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يخص بقوله ذلك مصلياً من مصلى انتهى‏.‏ وقال الحافظ في الفتح‏:‏ واستدل به على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم سواء أسر الإمام أو جهر لأن صلاته حقيقة فتنتفى عند انتفاء القراءة انتهى‏.‏

‏(‏وقرأ عباده بن الصامت بعد النبي صلى الله عليه وسلم خلف الإمام وتأول قول النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب‏"‏ روى الدارقطني عن زيد بن واقد عن حرام بن حكيم ومكحول عن نافع بن محمود بن الربيع كذا قال أنه سمع عبادة ابن الصامت يقرأ بأم القرآن وأبو نعيم بجهر بالقراءة فقلت‏:‏ رأيتك صنعت في صلاتك شيئاً قال وما ذاك قلت‏:‏ سمعتك بأم القرآن وأبو نعيم يجهر بالقراءة قال‏:‏ نعم صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة فلما انصرف قال‏:‏ منكم من أحد يقرأ شيئاً من القرآن إذا جهرت بالقراءة قلنا نعم يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ وأنا أقول ما لي أنازع القرآن فلا يقرأن أحد منكم شيئاً من القرآن إذا جهرت بالقراءة إلا بأم القرآن‏.‏ رواه الدارقطني وقال هذا إسناد حسن ورجاله ثقات كلهم ‏(‏وبه يقول الشافعي وإسحاق وغيرهما‏)‏ قال الخطابي في معالم السنن‏:‏ قد اختلف العلماء في هذه المسألة نروي عن جماعة من الصحابة أنهم أوجبوا القراءة خلف الإمام وقد روي عن آخرين أنهم كانوا لا يقرأون، وافترق الفقهاء فيه على ثلاثة أقاويل، فكان مكحول والأوزاعي والشافعي وأبو ثور يقولون لا بد من أن يقرأ خلف الإمام فيها بجهر من الصلاة، وقال الزهري ومالك وابن المبارك وأحمد وإسحاق‏:‏ يقرأ فيما أسر الإمام فيه ولا يقرأ فيما جهر به، وقال سفيان الثوري وأصحاب الرأي لا يقرأ خلف الإمام جهر أو أسر انتهى كلام الخطابي‏.‏

تنبيه‏:‏

قال العيني في شرح البخاري تحت حديث عبادة المذكور ما لفظه‏:‏ استدل بهذا الحديث عبد الله بن المبارك والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود على وجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام في جميع الصلوات‏.‏ انتهى‏.‏

قلت‏:‏ هذا وهم من العيني، فإن عبد الله بن المبارك لم يكن من القائلين بوجوب القراءة خلف الإمام كما عرفت، وكذلك الإمام مالك والإمام أحمد لم يكونوا قائلين بوجوب قراءة الفاتحة خلف الإمام في جميع الصلوات‏.‏

‏(‏وأما أحمد بن حنبل فقال معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب‏"‏ إذا كان وحده وكذا قال سفيان كما ذكرناه أبو داود في سننه قلت‏:‏ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخص إلا بدليل من الكتاب والسنة ولا يجوز تخصيصه بقول أحمد ولا بقول سفيان واحتج بحديث جابر بن عبد الله حيث قال من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا أن يكون وراء الإمام هذا قول جابر رضي الله عنه وليس بحديث مرفوع ‏(‏قال أحمد فهذا رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تأول قول النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب‏"‏ أن هذا إذا كان وحده‏)‏ حمل جابر هذا الحديث على غير المأموم مخالف لظاهره، فإنه بعمومه شامل للمأموم أيضاً، وقد عرفت أن عبادة بن الصامت رضي الله عنه وهو رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو راوي الحديث قد حمله على ظاهره وعمومه، وقد تقرر أن راوي الحديث أدرى بمراد الحديث من غيره‏.‏ وحديث عبادة الذي أخرجه الترمذي في باب القراءة خلف الإمام من طريق ابن إسحاق عن مكحول عن محمود بن الربيع، عن دليل واضح على أن حديث عبادة هذا محمول على ظاهره وعمومه‏.‏ قال البيهقي في كتاب القراءة ص 151‏:‏ فأما قراءة فاتحة الكتاب فجملة حديث عبادة ابن الصامت وأبي هريرة تدل على وجوبها على كل أحد سواء كان إماماً أو مأموماً أو منفرداً مع ثبوت الدلالة فيه عن من حمل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ذلك على العموم وأن وجوبها على المنفرد والإمام والمأموم وهو بالآثار التي رويناها عن عبادة بن الصامت وأبي هريرة في ذلك، فمن ترك تفسيرهما وأخذ بتفسير سفيان ابن عيينة الذي ولد بعدهما بسنين ولم يشاهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شاهدا، حيث قال لحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه‏:‏ هذا لمن يصلي وحده أو أخذ بتأويل من تأوله على غير ما تأولا من الفقهاء كان تاركاً لسبيل أهل العلم في قبول الأخبار وردها، فنحن إنما صرنا إلى تفسير الصحابي الذي حمل الحديث لفضل علمه بسماع المقال ومشاهده الحال على غيره، قال‏:‏ ولو صار تأويل سفيان حجة لم يجب على الإمام قراءة القرآن في صلاته لأنه لا يصلي وحده إنما يصلي بالجماعة انتهى‏.‏

‏(‏وأختار أحمد مع هذا القراءة خلف الإمام وأن لا يترك الرجل فاتحة الكتاب وإن كان خلف الإمام‏)‏ وكذلك جابر رضي الله عنه حمل حديث عبادة المذكور على الذي يكون وحده، ومع هذا كان يقرأ في صلاة الظهر والعصر خلف الإمام‏.‏

تنبيه‏:‏

عقد الترمذي للقراءة خلف الإمام ما بين وذكر فيهما مذاهب أهل العلم ولم يذكر في واحد منهما مذهب أهل الكوفة من الإمام أبي حنيفة ومن تبعه، فلنا أن نذكر مذهبهم ودلائلهم مع بيان ما لها وما عليها بالإختصار، ولنا كتاب مبسوط في تحقيق هذه المسألة سميناه تحقيق الكلام في وجوب القراءة خلف الإمام وفيه بابان‏:‏ الباب الأول في إثبات وجوب القراءة خلف الإمام، والباب الثاني في الجواب عن أدلة المانعين، وقد أشبعنا الكلام في كل من البابين وبسطناه‏.‏ وقد أطلنا الكلام في هذه المسألة في كتابنا أبكار المنن‏.‏

فاعلم أن مذهب الإمام أبي حنيفة أن لا يقرأ خلف الإمام فيما جهر فيه ولا فيما لم يجهر، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله انتهى‏.‏ هذا هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله، وأما أكثر الحنفية فيقولون إن القراءة خلف الإمام مكروهة كراهة تحريم، ويستدلون على مذهبهم كالشيخ ابن الهمام وغيره هو قوله تعالى ‏{‏وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون‏}‏ فكانوا يحتجون بقوله ‏(‏فاستمعوا‏)‏، على منع القراءة خلف الإمام في الصلوات الجهرية وبقوله ‏(‏وأنصتوا‏)‏ على المنع في الصلوات السرية‏.‏

والاَن قد حصحص الحق لهم فاعترفوا بما في هذا الاستدلال من الإختلال‏.‏

فقال قائل منهم في رسالته إمام الكلام‏:‏ الإنصاف الذي يقبله من لا يميل إلا الإعتساف أن الاَية التي أستدل بها أصحابنا على مذهبهم لا تدل على عدم جواز القراءة في السرية ولا عدم جواز القراءة في الجهرية حال السكتة انتهى‏.‏

وقال قائل منهم في رسالته الفرقان‏:‏ أن كثيراً من العلماء الحنفية قد أدعوا الحنفية قد أدعوا أن قراءة المقتدي منسوخة بقوله‏:‏ ‏{‏وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا، وأجتهدوا في إنبات النسخ به، والحق أن هذا أدعاء محض لا يساعده الدليل‏.‏ والعجب من أكابر العلماء يعني الحنفية الذي في العلوم الدينية كالبحر الذخار كيف تصدوا لإثبات النسخ بهذه الاَية انتهى كلامه مترجماً‏}‏‏.‏

وقال قائل منهم‏.‏ بعد ذكر وجوه عديدة تخدش الاستدلال بهذه الاَية ما لفظه‏:‏ غاية ما في الباب أن الاَية لما أحتملت هذه الوجوه كان الاستدلال بقوله عليه السلام‏:‏ من كان له إمام فقراء القرآن له قراءة كما تمسك به صاحب الهداية، أوضح من الاستدلال بهذه الاَية انتهى‏.‏

قلت‏:‏ قد ذكرنا في تحقيق الكلام وجوها كثيرة كلها تدل على أن أستدلال الحنفية بهذه الاَية على مطلوبهم المذكور ليس بصحيح المذكور ليس بصحيح ولا يثبت بها مدعاهم ونذكر ههنا خمسة وجوه منها‏.‏

فالأول منها‏:‏ أن هذه ساقطة عن الاستدلال عند الفقهاء الحنفية لا يجوز الاستدلال بها وقد صرح بذلك في كتب أصولهم قال في التلويح في باب المعارضة والترجيح‏:‏ مثال المصير إلى السنة عند تعارض الاَيتين قوله تعالى ‏{‏فاقرأوا ما تيسر من القرآن‏}‏ وقوله تعالى ‏{‏وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون‏}‏ تعارضنا فصرنا إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة، انتهى‏.‏ وكذا في نور الأنوار وزاد فيه‏:‏ فالأول بعمومه يوجب القراءة على المقتدي، والثاني بخصوصه ينفيه، وقد وردا في جميعاً فتساقطا فيصار إلى حديث بعده إلى حديث بعده وهو قوله عليه السلام‏:‏ من كانت له إمام إلخ‏.‏

فالعجب من العلماء أنهم مع وجود هذا التصريح في كتب أصولهم كيف استدلوا بهذه الاَية‏.‏

والثاني‏:‏ أن قوله تعالى ‏(‏وإذا قرئ القرآن‏)‏ إنما ينفي القراءة خلف الإمام جهراً وبرفع الصوت، فإنها تشغل عن أستماع القرآن وأما القراءة خلفه في النفس وبالسر فلا ينفيها، فإنها لا تشغل عن الاستماع، فنحن نقرأ الفاتحة خلف الإمام عملاً بأحاديث القراءة خلف الإمام في النفس وسراً، ونستمع القرآن عملاً بقوله ‏(‏وإذا قريء القرآن‏)‏ ولاشتغال بأحدهما لا يفوت الاَخر‏.‏

ألا ترى أن الفقهاء الحنفية يقولون إن أستماع الخطبة يوم الجمعة واجب لقوله تعالى ‏{‏وإذا قرئ القرآن‏}‏ ومع هذا يقولون إذا خطب الخطيب ‏{‏يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما‏}‏ فيصلي السامع سراً وفي النفس قال في الهداية‏:‏ إلا أن يقرأ الخطيب قوله تعالى ‏{‏يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه‏}‏ الاَية فيصلي السامع في نفسه انتهى‏.‏ وقال في الكفاية‏:‏ قوله‏:‏ فيصلي السامع في نفسه أي فيصلي بلسانه خفياً انتهى‏.‏ وقال العيني في رمز الحقائق‏:‏ لكن إذا قرأ الخطيب ‏{‏يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً‏}‏ يصلي السامع ويسلم في نفسه سراً إئتماراً للأمر انتهى‏.‏ وقال في البناية‏.‏ فإن قلت‏:‏ توجه عليه أمران أحدهما صلوا عليه وسلموا، والأمر الاَخر قوله تعالى ‏{‏وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا‏}‏، قال مجاهد‏:‏ نزلت في الخطبة والإشتغال بأحدهما يفوت الاَخر، قلت‏:‏ إذا صلى في نفسه ونصت وسكت يكون آتياً بموجب الأمرين انتهى‏.‏ وقال الشيخ ابن الهمام في فتح القدير‏:‏ وعن أبي يوسف ينبغي أن يصلي في نفسه لأن ذلك مما لا يشغله عن سماع الخطبة فكان إحرازاً للفضلين انتهى‏.‏

والثالث‏:‏ قال الرازي في تفسيره‏.‏ السؤال الثالث وهو المعتد أن نقول الفقهاء أجمعوا على أنه يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد فهب أن عموم قوله تعالى ‏{‏وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا‏}‏ بوجب سكوت المأموم عند قراءة الإمام إلا أن قوله عليه السلام‏:‏ لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وقوله‏:‏ لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، أخص من ذلك العموم، وثبت أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لازم فوجب المصير إلى تخصيص هذه الاَية بهذا الخبر وهذا السؤال حسن انتهى‏.‏ وفي تفسير النيسابوري وقد سلم كثير من الفقهاء عموم اللفظ إلا أنهم جوزوا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ههنا قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب انتهى‏.‏ وقال صاحب غيث الغمام حاشية إمام الكلام‏:‏ ذكر ابن الحاجب في مختصر الأصول والعضد في شرحه أن تخصيص عام القرآن بالمتواتر جائز أتفاقاً وأما بخبر الواحد فقال بجوازه الأئمة الأربعة، وقال ابن أبان من الحنفية‏:‏ إنما يجوز إذا كان العام قد خص من قبل بدليل قطعي منفصلاً كان أو متصلاً‏.‏ وقال الكرخي‏:‏ إنما يجوز إذا كان العام قد خص من قبل بدليل، منفصلاً قطيعاً كان أو ظنيا انتهى‏.‏

والرابع‏:‏ أنه لو سلم أن هذه الاَية تدل على منع القراءة خلف الإمام فإنما تدل على المنع إذا جهر الإمام، فإن الاستماع والإنصات لا يمكن إلا إذا جهر وقد أعترف به العلماء الحنفية أيضاً، فقال قائل في تعليقاته على الترمذي ما لفظه‏:‏ ولا تعلق لها يعني هذه الاَية بالسرية والإنصات معناه في اللغة كان لكانا أورسننا ويكون في الجهرية سيما إذا اجتمع الاستماع والإنصات وما من كلام فصيح يكون الإنصات فيه في السر انتهى‏.‏ فنحن نقرأ خلف الإمام في الصلوات السرية وفي الجهرية أيضاً عند سكتات الإمام، فإن الاَية لا تدل على المنع إذا جهر، قال الإمام البخاري في جزء القراءة‏:‏ قيل له احتجاجك بقول الله تعالى ‏{‏فاستمعوا وأنصتوا‏}‏ أرأيت إذا لم يجهر الإمام يقرأ خلفه‏؟‏ فإن قال‏:‏ لا بطل دعواه، لأن الله تعالى قال ‏{‏فاستمعوا له وأنصتوا‏}‏ وإنما يستمع لما يجهر، مع أنا نستعمل قول الله تعالى ‏{‏فاستمعوا له‏}‏ نقول يقرأ خلف الإمام عند السكتات انتهى‏.‏ وقد أعترف بهذا كله بعض الفاضل الكنوي العلماء الحنفية حيث قال هذه الاَية لا تدل على عدم جواز القراءة في السرية ولا على عدم الجواز القراءة في الجهرية حال السكتة‏.‏

الخامس‏:‏ أن هذه الاَية لا تعلق لها بالقراءة خلف الإمام، فإنه ليس فيها خطاب مع المسلمين بل فيها خطاب مع الكفار في ابتداء التبليغ‏.‏ قال الرازي في تفسيره‏:‏ وللناس فيه أقوال‏:‏ الأول هو قول الحسن وهو قول أهل الظاهر أنا نجري هذه الاَية على عمومها، ففي أي موضع قرأ الإنسان وجب على كل أحد استماعه‏.‏ والقول الثاني أنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة‏.‏ والقول الثالث نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام، وهو قول أب حنيفة وأصحابه‏.‏ والرابع أنها نزلت في السكوت عند الخطبة وفي الاَية قول الخامس وهو أنه خطاب مع الكفار في ابتداء التبلغ وليس خطاباً مع المسلمين، وهذا قول حسن مناسب وتقريره أن الله تعالى حكى قبل هذه الاَية أن أقواماً من الكفار يطلبون آيات مخصوصة ومعجزات مخصوصة، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام لا يأتيهم بها قالوا لولا اجتبيتها، فأمر الله رسوله أن يقول جواباً عن كلامهم‏:‏ إنه ليس لي أن أقترح على ربي، وليس إلى إلا أن أنتظر الوحي، ثم بين أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ترك الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها في صحة النبوة لأن القرآن معجزة تامة كافية في إثبات النبوة، وعبر الله تعالى عن هذا المعنى بقوله ‏{‏هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون‏}‏ فلو قلنا إن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا‏}‏ المراد منه قراءة المأموم خلف الإمام لم يحصل بين هذه الاَية وبين ما قبلها تعلق بوجه من الوجوه وانقطع النظم وحصل فساد التركيب، وذلك لا يليق بكلام الله تعالى، فوجب أن يكون المراد منه شيئاً آخر سوى هذا الوجه، وتقريره أنا لما أدعى كون القرآن بصائر وهدى ورحمة من حيث أنه معجزة دالة على صدق محمد عليه الصلاة والسلام، وكونه كذلك لا يظهر إلا بشرط مخصوص وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ القرآن على أولئك الكفار استمعوا له وأنصتوا حتى يقفوا على فصاحته ويحيطوا بما فيه من العلوم الكثيرة، فحينئذ يظهر لهم كونه معجزاً دالاً على صدق محمد صلى الله عليه وسلم، فيستغنوا بهذا القرآن عن طلب سائر المعجزات، ويظهر لهم صدق قوله في صفة القرآن بصائر وهدى ورحمة‏.‏ فثبت أنا إذا حملنا الاَية على هذا الوجه استقام النظم وحصل الترتيب، فثبت أن حمله على ما ذكرناه أولى‏.‏ وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله‏:‏ ‏{‏وإذا قرئ القرآن فاستمعوا‏}‏، خطاب مع الكفار عند قراءة الرسول عليهم القرآن في معرض الاحتجاج وبكونه معجزاً على صدق نبوته، وعند هذا يسقط استدلال الخصوم بهذه الاَية من كل الوجوه‏.‏

ومما يقوى أن حمل الاَية على ما ذكرناه أولى وجوه‏.‏

الأول‏:‏ أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم قالوا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون‏.‏ فلما حكى عنهم ذلك ناسب أن يأمرهم بالاستماع والسكوت حتى يمكنهم الوقوف على ما في القرآن من الوجوه الكثيرة البالغة إلى حد الإعجاز‏.‏

والوجه الثاني‏:‏ أنه قال قبل هذه الاَية هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون فحكم بكون هذا القرآن رحمة للمؤمنين على سبيل القطع والجزم ثم قال‏:‏ ‏{‏وإذا قرئ القرآن‏}‏ إلخ ولو كان المخاطبون بقوله فاستمعوا وأنصتوا هم المؤمنون لما قال ‏{‏لعلكم ترحمون‏}‏ لأنه جزم قبل هذه الاَية يكون القرآن رحمة للمؤمنين قطعاً فكيف يقول بعده من غير فصل لعله يكون القرآن رحمة للمؤمنين أما إذا قلنا إن المخاطبين به هم الكافرون صح حينئذ قوله‏:‏ ‏(‏لعلكم ترحمون‏}‏ انتهى كلام الرازي ملخصاً‏.‏

فإن قلت‏:‏ قد أخرج البيهقي عن الإمام أحمد قال‏:‏ أجمع الناس على أن هذه الاَية في الصلاة انتهى‏.‏ فمع إجماع الناس على أن هذه الاَية في الصلاة كيف يصح قول من قال إن فيها خطاباً مع الكفار وليس فيها خطاب مع المسلمين‏.‏

قلت‏:‏ لم يذكر الزيلعي إنساد قول أحمد هذا ولم يبين أن البيهقي في أي كتاب أخرجه، وقد طالعت كتاب القراءة له من أوله إلى آخره ولم أجد فيه قول أحمد هذا، وكذا طالعت باب القراءة خلف الإمام في كتابه معرفة السنن له ولم أجد فيه قول أيضاً هذا القول، فالله اعلم أن البيهقي في أي كتاب أخرجه وكيف حال إسناده‏.‏ ثم هذا القول ليس بصحيح في نفسه‏.‏ فإن في شأن نزول هذه الاَية أقوالاً‏:‏ منها أنها نزلت في السكوت عند الخطبة، وأيضاً يدل على عدم صحته قول ابن المبارك‏.‏ أنا أقرأ خلف الإمام والناس يقرأون إلا قوم من الكوفيين وأيضاً يدل على عدم صحته أن الإمام أحمد أختار القراءة خلف الإمام وأن لا يترك الرجل فاتحة الكتاب وإن كان خلف الإمام كما ذكره الترمذي فتفكر‏.‏ وأيضاً يدل على عدم صحة أن الصحابة رضي الله عنهم قد اختلفوا في القراءة خلف الإمام وقد قال بها أكثر أهل العلم كما صرح به الترمذي فتفكر‏.‏

فإن قلت‏:‏ الخطاب في هذا الاَية وإن كان مع الكفار لكن قد تقرر في مقرة أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب‏.‏

قلت‏:‏ لا شك في أن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، لكن قد تقرر أيضاً في مقره أن اللفظ لو يحمل على عمومه يلزم التعارض والتناقض، ولو يحمل على خصوص السبب يندفع التعارض، فحينذ يحمل على خصوص السبب‏.‏ قال الشيخ ابن الهمام في فتح القدير‏:‏ وما روى في الصحيحين أن عليه الصلاة والسلام كان في سفر فرأى زحاماً ورجل قد ظلل عليه فقال ما هذا‏؟‏ فقالوا‏:‏ صائم فقال ليس من البر الصيام في السفر، محمول على أنهم استضروا به بدليل ما ورد في صحيح مسلم في لفظ‏:‏ أن الناس قد شق عليهم الصوم‏.‏ والعبرة وإن كان لعموم اللفظ لا لخصوص السبب لكن يحمل عليه دفعاً للمعارضة بين الأحاديث الخ‏.‏ فإذا عرفت هذا فاعلم أنه لو يحمل قوله تعالى ‏{‏وإذا قرئ القرآن‏}‏ على عمومه لزم التعارض والتناقض والتناقض بينه وبين قوله تعالى ‏{‏فاقرأ وما تيسر من القرآن‏}‏ وأحاديث القراءة خلف الإمام‏.‏ ولو يحمل على خصوص السبب يندفع التعارض فحينئذ يحمل على خصوص السبب هذا وإن شئت الوقوف على الوجوه الأخرى فارجع إلى كتابنا تحقيق الكلام‏.‏

والدليل الثاني للحنفية‏:‏ حديث أبي موسى قال‏:‏ علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إذا قمتم إلى الصلاة فليؤمكم أحدكم، وإذا قرأ الإمام فأنصتوا‏"‏ أخرجه أحمد ومسلم‏.‏ وحديث أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا‏"‏ أخرجه الخمسة إلا الترمذي‏.‏

قلت محل الاستدلال من هذين الحديثين هو قوله‏:‏ وإذا قبرأ الإمام فأنصتوا، وهو غير محفوظ عند أكثر الحفاظ، قال الزيلعي في نصب الراية‏:‏ قال البيهقي في المعرفة بعد أن روى حديث أبي هريرة وأبي موسى‏:‏ وقد أجمع الحافظ على خطأ هذه اللفظة في الحديث أبو داود وأبو حاتم وابن معين والحاكم والدارقطني وقالوا إنها ليست بمحفوظة انتهى‏.‏ ولو سلم أن لفظ‏:‏ وإذا قرأ فأنصتوا في هذين الحديثين محفوظ فالاستدلال به على منع القراءة خلف الإمام ليس بصحيح، كما أن الاستدلال على هذا المطلوب بقوله تعالى‏:‏ وإذا قريء القرآن ليس بصحيح كما عرفت‏.‏ وعلى عدم صحة الاستدلال به على المنع وجوه أخرى ذكرناها في كتابنا تحقيق الكلام منها أن قوله‏:‏ وإذا قرئ فأنصتوا، محمول على ما عدا الفاتحة، جمعاً بين الأحاديث‏:‏ قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري‏:‏ واستدل من أسقطها عنه في الجهرية كالمالكية بحديث‏:‏ وإذا قرأ فأنصتوا، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري، ولا دلالة في لامكان الجمع بين الأمرين فينصت فيما عدا الفاتحة أو ينصت إذا قرأ الإمام إذا سكت‏.‏ وقال الإمام البخاري في جزء القراءة‏:‏ ولو صح لكان يحتمل سوى الفاتحة وإن قرأ فيما سكت الإمام‏.‏

ويؤيد هذا أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يفتي بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام في جميع الصلوات جهرية كانت أو سرية وهو راوي حديث‏:‏ وإذا قرأ فأنصتوا أيضاً‏.‏

والدليل الثالث للحنفية‏:‏ حديث جابر قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة، أخرجه الدارقطني والطحاوي وغيرهما‏.‏

قلت الاستدلال بهذا الحديث على منع القراءة خلف الإمام ليس بصحيح، فإن هذا الحديث بجميع طرقه ضعيف كما بيناه في كتابنا تحقيق الكلام‏:‏ قال الحافظ في فتح الباري‏:‏ واستدل من أسقطها عن المأموم مطلقاً كالحنفية بحديث من صلى خلف الإمام فقراءة الإمام له قراءة لكنه ضعيف عند الحافظ، وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطني وغيره انتهى‏.‏ وقال في التلخيص‏:‏ حديث من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة مشهورة من حديث جابر وله طرق عن جماعة من الصحابة وكلها معلولة انتهى‏.‏

ولو سلمنا أن هذا الحديث صحيح فلنا عنه أجوبة عديدة ذكرناها في تحقيق الكلام فمنها ما قال الفاضل اللكنوي في كتابه إمام الكلام إن هذا الحديث يعني حديث من كان له إمام الخ لس بنص على ترك قراءة بل يحتملها ويحتمل قراءة ما عداها، وتلك الروايات يعني روايات عبادة وغيره في القراءة خلف الإمام تدل على وجوب قراءة الفاتحة أو استحسانها نصاً فينبغي تقديمها عليه قطعاً انتهى‏.‏ وقال في أيضاً‏:‏ حديث عبادة نص في قراءة الفاتحة خلف الإمام، وأحاديث الترك والنهي لا تدل على تركها نصاً بل ظاهراً، وتقديم النص على الظاهر منصوص في كتب الأعلام انتهى‏.‏ وقال الحازمي في كتاب الإعتبار‏:‏ الوجه الثالث أن يكون الحاكم الذي تضمنه أحد الحديثين منطوقاً وما تضمنه الحديث الاَخر يكون محتملاً يعني فيتقدم الأول على الثاني انتهى‏.‏

ومنها‏:‏ ما قال الإمام البخاري في جزء القراءة‏:‏ فلو ثبت الخبر أن كلاهما لكان هذا مستثنى من الأول لقوله لا يقرأن إلا بأم الكتاب، وقوله‏:‏ من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة جملة وقوله إلا بأم القرآن مستثنى من الجملة، كقول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً‏.‏ ثم قال في أحاديث آخر إلا المقبرة وما استثناه من الأرض والمستثنى خارج من الجملة‏:‏ وكذلك فاتحة الكتاب خارج من قوله‏:‏ من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة مع انقطاعه انتهى‏.‏

ومنها‏:‏ أن هذا الحديث وارد فيما عدا الفاتحة‏:‏ قال صاحب إمام الكلام‏:‏ قد يقال إن مورد هذا الحديث هو قراءة رجل خلف النبي صلى الله عليه وسلم فهو شاهد لكونه وارداً فيما عدا الفاتحة انتهى‏.‏ وقال الحافظ الزيلعي في نصب الراية‏:‏ وحمل البيهقي هذه الأحاديث على ما عدا الفاتحة، واستدل بحديث عبادة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر ثم قال لعلكم تقرأون خلف إمامكم‏؟‏ قلنا‏:‏ نعم، قال‏:‏ فالا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب وأخرجه أبو داود بإسناد رجاله ثقات، وبهذا يجمع الأدلة المثبتة للقراءة والنافية انتهى‏.‏

ومنها‏:‏ أن هذا الحديث منسوخ عند الحنفية فلا يصح الاستدلال به على منع القراءة خلف الإمام، وتقرير النسخ عندهم أن جابراً راوي هذا الحديث رضي الله عنه كان يقرأ خلف الإمام، وكذلك روى هذا الحديث أبو هريرة وأنس وأبو سعيد وابن عباس وعلي وعمران بن حصين رضي الله عنهم، وكل هؤلاء كانوا يقرأون خلف الإمام ويفتون بها‏.‏ وعمل الراوي وفتواه خلاف حديثه يدل على نسخه عندهم، أما قراءة جابر فقد رواه ابن ماجه بسند صحيح عنه قال‏:‏ كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين‏.‏ الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب‏:‏ قال الشيخ أبو الحسن السندي في حاشية ابن ماجه قوله‏:‏ كنا نقرأ قال المزي موقوف ثم قال‏:‏ هذا إسناد صحيح رجاله ثقات انتهى‏.‏

وأما فتوى أبي هريرة مسلم في صحيحه في حديث الخداج بفظ‏:‏ فقيل لأبي هريرة إنا نكون وراء الإمام، فقال اقرأ بها في نفسك انتهى وأخرجه الحافظ أبو عوانة في صحيحه في هذا الحديث بلفظ فقلت لأبي هريرة فإني أسمع قراءة القرآن فغمزني بيده قال يا فارسي أو ابن الفارسي اقرأ بها في نفسك انتهى‏.‏ وقال البيهقي في معرفة السنن‏:‏ وفي رواية عن سفيان عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة في هذا الحديث‏:‏ قلت يا أيا هريرة إني أسمع قراءة الإمام، فقال يا فارسي أبو ابن الفارسي اقرأ بها في نفسك انتهى‏.‏ وأسانيد هذا الفتوى صحيحة‏.‏

وأما فتوى أنس رضي الله عنه فأخرجه البيهقي في كتاب القراءة بإسناده عن ثابت عنه قال‏:‏ كان يأمرنا بالقراءة خلف الإمام، قال وكنت أقوم إلى جنب أنس فيقرأ بفاتحة الكتاب وسورة من المفصل ويسمعنا قراءته لنأخذ عنه‏.‏

وأما فتوى أبي سعيد الخدري فأخرجه البيهقي أيضاً بإسناده عن أبي نضرة قال‏:‏ سألت أبا سعيد الخدري عن القراءة خلف الإمام فقال بفاتحة الكتاب، وإسناده حسن وقد اعترف به صاحب آثار السنن‏.‏

وأما فتوى ابن عباس رضي الله عنه فأخرجه البيهقي أيضاً بإسناده عن عطاء عنه قال‏:‏ اقرأ خلف الإمام جهراً ولم يجهر، وفي رواية له‏:‏ قال لا تدع فاتحة الكتاب، جهر الإمام أو لم يجهر، وأخرجه بإسناده عن إسماعيل بن أبي خالد حدثنا العيزار ابن حريث قال‏:‏ سمعت ابن عباس يقول‏:‏ اقرأ خلف الإمام بفاتحة الكتاب، قال البيهقي‏:‏ وهذا سند صحيح لا غبار عليه‏.‏

وأما فتوى علي رضي الله عنه فأخرجه البيهقي أيضاً في كتاب القراءة بإسناده عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي رضي الله عنه قال‏:‏ اقرأ في صلاة الظهر والعصر خلف الإمام بفاتحة الكتاب وسورة‏.‏ قال البيهقي‏:‏ هذا الإسناد من أصحح الأسانيد في الدنيا انتهى‏.‏

وأما فتوى عمران بن حصين رضي الله عنه فأخرجه البيهقي أيضاً في كتاب القراءة عنه قال لا تزكوا صلاة مسلم إلا بطهور وركوع وسجود وفاتحة الكتاب وراء الإمام وغير الإمام‏.‏

ومنها‏:‏ أن هذا الحديث معارض ومخالف لقوله تعالى فاقرأوا ما تيسر من القرآن فإنه بعمومه نص صريح في أن المقتدي لا بد له من قراءة حقيقية خلف الإمام‏.‏

وهذا الحديث يدل على منع القراءة الحقيقية خلف الإمام على قول أكثرهم أو يدل على أن المقتدي لا حاجة له إلى القراءة الحقيقية خلف الإمام، بل قراءة إمامه تكفيه على قول بعضهم، وعلى كلا القولين يسقط هذا الحديث عن الاستدلال‏.‏ وقد استدل الحنفية بحديث ابن أكيمة عن أبي هريرة الذي أخرجه الترمذي في هذا الباب بلفظ‏:‏ أني أقول مالي أنازع القرآن، وبحديث ابن مسعود، وبحديث عمران بن حصين الذين أشار إليهما الترمذي وقد عرفت أن هذه الأحاديث الثلاثة لا تدل على منع القراءة خلف الإمام المتنازع فيها، وهي قراءة خلف الإمام في النفس وبالسر، بحيث لا تقضي إلا المنازعة بقراءة الإمام، نعم تدل على منع القراءة بالجهر خلفه وهي ممنوعة بالإتفاق‏.‏

تنبيه‏:‏

إعلم أن الحنفية قد استدلوا على منع القراءة خلف الإمام ببعض آثار الصحابة رضي الله عنه كأثر زيد بن ثابت رضي الله عنه قال‏:‏ لا قراءة مع الإمام في شيء رواه مسلم‏.‏ وأخرجه الطحاوي رحمه الله عن زيد وجابر وابن عمر أنهم قالوا لا يقرأ خلف الإمام في شيء من الصلوات‏.‏

قلت‏:‏ احتجاجهم بهذه الآثار ليس بشيء، فإن الأئمة الحنفية كالشيخ ابن الهمام وغيره قد صرحوا بأن قول الصحابي حجة ما لم ينفه شيء من السنة، وقد عرفت أن الأحادييث المرفوعة الصحيحة دالة على وجوب القراءة خلف الإمام فهي تنفي هذه الآثار فكيف يصح الاحتجاج بها‏.‏ قال صاحب إمام الكلام‏:‏ صحر ابن الهمام وغيره أن قول الصحابي حجة ما لم ينفيه شيء من السنة‏.‏ ومن المعلوم أن الأحاديث المرفوعة دالة على إجازة قراءة الفاتحة خلف الأئمة، فكيف يؤخذ بالآثار وتترك السنة انتهى‏.‏

وأيضاً قد صرحوا بأن حجية الصحابة إنما تكون مفيدة إذا لم يكن الأمر مختلفاً فيه بينهم كما في التوضيح ونور الأنوار، والأمر فيما نحن فيه ليس كذلك، بل فيه اختلاف الصحابة رضي الله عنه كما عرفت فكيف يصح احتجاجهم بهذه الآثار، لا بد أن تحمل على قراءة السورة التي بعد الفاتحة أو على الجهر بالقراءة مع الإمام لئلا تخالف الأحاديث المرفوعة الصحيحة‏.‏ قال النووي في شرح مسلم‏:‏ والثاني أنه أي قول زيد بن ثابت محمول على قراءة السورة التي بعد الفاتحة في الصلاة الجهرية، فإن المأموم لا يشرع له قراءتها، وهذا التأويل متعين ليحمل قوله على موافقة الأحاديث الصحيحة انتهى‏.‏ وقال البيهقي في كتاب القراءة‏:‏ وهو قول زيد رضي الله عنه محمول عندنا على الجهر بالقراءة مع الإمام، وما من أحد من الصحابة وغيرهم من التابعين قال في هذه المسألة قولاً لا يحتج به من لم ير القراءة خلف الإمام إلا وهو يحتمل أن يكون المراد به ترك الجهر بالقراءة انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصح إلخ‏)‏ قال البيهقي في كتاب القراءة ص 211 بعد ما أخرج هذا الأثر ما لفظه‏:‏ فيه حجة على تعين القراءة في الصلاة بأم القرآن ووجوب قراءتها في كل ركعة من ركعات الصلاة خلاف قول من قال لا يتعين ولا يجب قراءتها في الركعتين الأخريين‏.‏ فأما قوله إلا وراء الإمام فيحتمل أن يكون من مذهبه جواز ترك القراءة خلف الإمام فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة، فقد روينا عنه فيما تقدم‏:‏ كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب‏.‏ ويحتمل أن يكون المراد به الركعة التي يدرك المأموم إمامه راكعاً فيجزي عنه بلا قراءة‏.‏ وإلى هذا التأويل ذهب إسحاق بن إبراهيم الحنظلي فيما حكاه محمد بن إسحاق بن خزيمة عنه، فقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو غانم أزهر بن أحمد بن حمدون المنادي ببغداد أخبرنا أبو قلابة الرقاشي أخبرنا بكير بن بكار أخبرنا مسعر بن يزيد الفقير عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ كان يقرأ في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة في الأخريين بفاتحة الكتاب قال‏:‏ وكنا نتحدث أنه لا يجوز صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها‏.‏ وفي رواية ابن بشر أن فما فوق ذاك أو قال فما أكثر من ذاك وهذا لفظ عام يجمع المنفرد والمأموم والإمام، ورواه عبيد الله بن مقسم عن جابر بن عبد الله أنه قال‏:‏ سنة القراءة في الصلاة أن يقرأ في الأولين بأم القرآن وسورة وفي الأخريين بأم القرآن والصحابي إذا قال سنة وكنا نتحدث فإن جماعة من أصحاب الحديث يخرجونه في المسانيد انتهى ما في كتاب القراءة‏.‏